شؤون عربية

العراق: ميليشيات مسلحة تغيّر الديموغرافيا وتهرّب النفط وسط تحذيرات دولية

تشهد العاصمة العراقية بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية تحديات متفاقمة على المستويين الأمني والاقتصادي. تبرز هذه التحديات بشكل خاص في تغوّل جماعات مسلحة على الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مشاريع استثمارية أو سكنية، ما يُهدد بحدوث تغيير ديمغرافي وشيك ويُزعزع النسيج الاجتماعي للعراق. بالتزامن مع ذلك، تتصاعد مؤشرات خطيرة بشأن استمرار تهريب النفط العراقي عبر قنوات غير رسمية، مما يُشكل استنزافًا للثروة الوطنية وانتهاكًا صارخًا للسيادة الاقتصادية. تتفاقم هذه المخاطر مع تزايد النفوذ الإقليمي لتلك الجماعات، المدعومة من أطراف خارجية، وهو ما يفرض معادلة أمنية معقدة تتطلب تدخلاً حكوميًا فاعلاً وحاسمًا.

الاستيلاء على الأراضي الزراعية: صراع على النفوذ وتغيير ديمغرافي محتمل

الاشتباكات المسلحة التي اندلعت مؤخرًا في حي السيدية بوسط بغداد كشفت عن ظاهرة أوسع نطاقًا تتعلق باستيلاء جماعات مسلحة على أراضٍ استراتيجية وتحويلها إلى مناطق سكنية دون أي غطاء قانوني أو تخطيط عمراني. هذه الممارسات أثارت تحذيرات جدية من “مشروع تغيير ديمغرافي منظم”.

جذور الأزمة: اشتباكات السيدية تكشف الصراع

اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الأمنية و”كتائب حزب الله” في السيدية على خلفية قرار حكومي بتغيير مدير دائرة الزراعة في الكرخ، بعد اتهامه بتسهيل استيلاء الجماعة على أراضٍ زراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية. أسفرت هذه المواجهات عن سقوط مدني وعنصر أمن وإصابة عشرة آخرين، وفقًا لوزارة الصحة، ما يسلط الضوء على حجم الأزمة وخطورتها.
تحذيرات برلمانية ومدنية من التهجير القسري

حذر النائب كاظم الشمري من تعرض نحو 80 فلاحًا في بغداد للتهديد من جماعات مسلحة لإخلاء أراضيهم، لا سيما في المدائن والنهروان، محذرًا من تهجير قسري وتغيير سكاني منظم. وأكد الشمري أن بعض الجهات الرسمية تُسهل هذه الممارسات. الناشط مجاشع التميمي، المقرب من التيار الصدري، اعتبر أن التعدي على الأراضي الزراعية يهدد السلم الأهلي ويزيد من الانقسام المجتمعي، داعيًا إلى فرض عقوبات صارمة على الجهات السياسية والعسكرية التي توفر الغطاء لهذه الممارسات. من جانبه، وصف النائب صلاح الكبيسي ما يجري بأنه “مشروع تغيير ديمغرافي ممنهج” عبر تحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع تجارية خارج الإطار القانوني.

استجابة حكومية حاسمة: لجان تحقيقية وتوقيفات

أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تشكيل لجنة تحقيقية في حالات انتزاع الأراضي بالقوة، مع توقيف مدير الزراعة السابق بتهم تتعلق بالفساد واستغلال المنصب. أكد السوداني أن نتائج التحقيق ستُرفع مباشرة إلى مكتبه لاتخاذ إجراءات قانونية حاسمة. لاقى هذا التحرك ترحيبًا من تحالف “السيادة” الذي شدد على ضرورة تطبيق القانون على جميع المخالفين دون استثناء.

تهريب النفط: نزيف اقتصادي وتحدي للسيادة الوطنية

بالتوازي مع أزمة الأراضي، يتعرض الاقتصاد العراقي لنزيف مستمر نتيجة تهريب النفط الخام من الحقول الجنوبية والشمالية عبر شبكات غير رسمية. تُقدر خسائر هذه العمليات بمليارات الدولارات سنويًا، مما يُشكل استنزافًا مباشرًا لموارد الدولة وتهديدًا لاستقرارها المالي.

استمرار الظاهرة رغم الوعود والإجراءات
تستمر عمليات تهريب النفط من الحقول الشمالية والجنوبية رغم الإجراءات الحكومية المتخذة، عبر شبكات غير رسمية، ما يسبب خسائر تُقدر بـ 1.3 مليار دولار سنويًا وفقًا لتقارير غير رسمية. هذه الظاهرة تُعد استنزافًا مباشرًا لموارد الدولة وتهديدًا لاستقرارها المالي.

تحركات دبلوماسية ودعوات لإعادة تشغيل خط جيهان

في اتصال مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، شدد رئيس الوزراء السوداني على ضرورة إعادة تشغيل خط أنابيب جيهان التركي ووقف التهريب النفطي الذي يضر بالاقتصاد الوطني، مبرزًا التزام الحكومة بحماية الثروة الوطنية. أكد النائب ناظم الشبلي أن أي صادرات نفطية تتم خارج إشراف وزارة النفط وشركة “سومو” تُعد تهريبًا يمس سيادة الدولة، داعيًا إلى تفعيل خط جيهان كبديل مستدام للمنافذ الجنوبية.

الأبعاد الاقتصادية والقانونية للتهريب المنظم

أشار الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي إلى أن تهريب النفط، لا سيما من إقليم كردستان، كلف العراق أكثر من 18 مليار دولار خلال السنوات الماضية. كما أشار إلى دعوى قانونية كسبها العراق ضد تركيا لتعويضه عن صادرات غير شرعية من نفط الإقليم، مما يؤكد حجم الخسائر والجهود القانونية لمواجهة هذه الظاهرة.

فساد البنى المحلية وشبكات التهريب المعقدة

كشف الناشط سعيد ياسين عن وجود شبكات تهريب تمتد من البصرة إلى ميسان وذي قار، مستفيدة من مصافٍ غير قانونية وضعف الرقابة الأمنية. يُهرّب ما يصل إلى 80 ألف برميل يوميًا، مؤكدًا أن التهريب يتم ضمن منظومة فساد معقدة تشمل جهات متعددة.

الدعم الخارجي للجماعات المسلحة: تهديد للاستقرار الإقليمي والدولي
تتزايد التحذيرات الدولية من دعم حكومي مباشر أو غير مباشر لتلك الجماعات المسلحة. أكد النائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي جو ويلسون أن الجماعات المسلحة المدعومة من إيران تلعب دورًا مركزيًا في زعزعة الاستقرار في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأوضح أن بعض هذه الجماعات تتلقى تمويلًا من حكومة بغداد وتهاجم قوات التحالف وإقليم كردستان، داعيًا إلى حظر تمويل الحكومة العراقية وتصنيف تلك الجماعات كمنظمات إرهابية.

توصيات لإنقاذ العراق واستعادة سيادته

تمثل أزمة الاستيلاء على الأراضي الزراعية من قبل الجماعات المسلحة، واستمرار تهريب النفط خارج القنوات الرسمية، تحديًا مزدوجًا لهوية العراق الاجتماعية وسيادته الاقتصادية. تفاقم هذه الأزمات يُقوّض هيبة الدولة ويهدد استقرارها السياسي والاقتصادي، ما يستوجب تحركًا حكوميًا عاجلاً وحازمًا لاستعادة زمام المبادرة.
• تعزيز هيبة الدولة: تطبيق صارم للقانون ضد الجهات المتجاوزة دون استثناءات، وتفكيك البنى السياسية والعسكرية التي تدعم تلك الجماعات.
• تنظيم التوسع العمراني: وضع خريطة حضرية وطنية تمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية أو تجارية دون دراسات علمية ومخططات بيئية وسكانية واضحة.
• الرقابة على القطاع النفطي: دعم استقلالية شركة “سومو” ومنع أي صادرات خارج إشرافها الرسمي لضمان الشفافية والإيرادات للدولة.
• مكافحة التهريب: تشكيل هيئة مستقلة لمكافحة تهريب النفط تعمل بالتعاون مع الجهات الأمنية والمالية، وتراقب الإنتاج والتوزيع في المحافظات المنتجة.
• محاسبة الفاسدين: فتح تحقيقات شفافة في قضايا الفساد والإثراء غير المشروع المتعلقة بالأراضي والنفط، ومحاسبة المسؤولين عبر القضاء والإعلام لضمان العدالة والردع.
المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى