من الذهب إلى السياسة.. قراءة في أبعاد النفوذ الإماراتي في مالي بعد الانقلابات
شهدت مالي منذ عام 2020 تحولات مفصلية انعكست على طبيعة علاقاتها الخارجية، لا سيما بعد سلسلتي الانقلابات العسكريتين اللتين أطاحتا بالرئيس المنتخب “إبراهيم بوبكر كيتا” عام 2020 ثم بالحكومة المدنية المؤقتة عام 2021.
وفي ظل العزلة الدولية التي فرضت على باماكو عقب هذه الأحداث، انفتح النظام الحاكم على شركاء جدد بديلين عن الغرب التقليدي، كان أبرزهم دولة الإمارات العربية المتحدة.
الجوانب السياسية والدبلوماسية
بعد انقلاب أغسطس 2020 استقبلت الإمارات الرئيس المالي السابق “إبراهيم كيتا” في أبوظبي لتلقي العلاج، في إشارة إلى عمق الروابط بين البلدين.
وتوالت اللقاءات الرفيعة بين مسؤولي الجانبين بعد عام 2021، حيث تم توقيع اتفاق تعاون استراتيجي حول الأمن والتنمية.
وشملت الزيارات الرسمية مناقشة دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وتشجيع الاستثمار والتعاون في مجالات الزراعة والطاقة المتجددة.
تؤكد التصريحات الرسمية لوزارتي الخارجية في البلدين أن الشراكة الإماراتية – المالية تقوم على احترام سيادة مالي وخيارات شعبها، وهي رؤية تبناها الرئيس الانتقالي “عاصمي غويتا” خلال لقائه الوزير الإماراتي “خلیفة بن أحمد آل نهیان” في مايو 2025.
كما أعلنت الإمارات دعمها للعملية السياسية والانتقال الديمقراطي في مالي، مؤكدة التزامها بالتخفيف من معاناة السكان الماليين.
إلا أن بعض المراقبين شككوا في النوايا الكامنة وراء هذه التحالفات، معتبرين أن الإمارات تبني نفوذها في إفريقيا بطرق غير تقليدية من خلال صفقات سرية ودعم غير مشروط للأنظمة العسكرية، مستغلة الصراعات الداخلية بهدف “الاستحواذ على ثروات البلاد”.
وتشير تقارير غربية إلى أن الإمارات تسعى لملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب فرنسا عبر دعمها العسكري والاقتصادي للأنظمة الشمولية في الساحل الإفريقي.
كما عززت الإمارات علاقاتها مع قوى إقليمية مؤثرة في مالي، إذ برزت موسكو كحليف رئيسي لباماكو منذ عام 2021 من خلال الشراكة الأمنية مع مجموعة “فاغنر”، حيث بدت الإمارات إلى جانبها في تشكيل تحالف مضاد للنفوذ الفرنسي التقليدي.
أما بالنسبة لفرنسا، فقد كانت الإمارات شريكاً عسكرياً مهماً لها في دعم استقرار منطقة الساحل، وشاركت إلى جانبها في عملية “برخان” ضد جماعات “نصرة الإسلام والمسلمين” في عامي 2013 و2021. لكن مع تصاعد التوترات وخروج القوات الفرنسية من مالي عام 2022، تزايد الدور الإماراتي الدبلوماسي والمالي لتعويض الغياب الفرنسي.
الجوانب العسكرية والأمنية
أبرمت مالي والإمارات اتفاقات تعاون عسكري منذ عام 2019 شملت تدريب ضباط ماليين وتبادل الزيارات العسكرية.
وفي أبريل 2021 قدمت أبوظبي دعماً لوجستياً للعمليات الفرنسية، كما منحت مالي 30 مركبة مدرعة من طراز “تايفون” و30 ناقلة جند مدرعة من نوع “كوجر” عام 2020، لتعزيز قدرات الجيش المالي في مواجهة التنظيمات الجهادية والانفصالية في شمال البلاد.
ويواصل الجيش المالي تدريباته ضمن أطر إقليمية مثل “مجموعة الساحل G5″، مدعوماً بمعدات إماراتية وتركية.
كما استفادت بعض وحدات الأمن الخاصة المالية من برامج تدريبية في “مدرسة محمد بن زايد” بموريتانيا بدعم إماراتي، في إطار مساعي خليجية لمكافحة الإرهاب في الساحل.
ومع صعود نفوذ “فاغنر” بين عامي 2022 و2025، اتسع المشهد الأمني ليشمل تعدد جهات مسلحة، مع دعم إماراتي واضح للحكومة العسكرية، ما أثار مخاوف محلية من تهميش القوات النظامية وخلق منافسة وجودية بين الميليشيات.
ورغم بدء مؤشرات انسحاب “فاغنر” عام 2025، واصلت الإمارات دعمها العسكري دون تردد، وأظهرت مرونة في تزويد مالي بمعدات وتقنيات متطورة دون شروط سياسية صارمة.
وتشير تقارير اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” إلى أن أبوظبي لم تعد تقتصر على التمويل، بل أصبحت مصدراً رئيسياً للمعدات العسكرية في منطقة الساحل، بما في ذلك صواريخ وأنظمة دفاع جوي نُقلت إلى تشاد المجاورة بتكليف إماراتي.
البعد الاقتصادي والموارد الطبيعية
استحوذت الثروات المعدنية على اهتمام الإمارات بصورة خاصة، إذ دخلت شركاتها في استثمارات ضخمة في القطاع المنجمي المالي.
ففي فبراير 2025 أعلنت شركة إماراتية عن شراء حصة 50% من شركة عاملة في منجم “سديولا” مقابل 375 مليون دولار، في خطوة تعكس سعي أبوظبي للاستفادة من المخزون الذهبي الكبير في مالي.
وعلى نطاق أوسع، أعلنت الإمارات أنها استثمرت أكثر من 110 مليارات دولار في مشاريع تنموية متنوعة داخل إفريقيا حتى عام 2023، تشمل قطاعات الزراعة والطاقة الشمسية والبنية التحتية.
ورغم هذا التدفق الاستثماري، يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الاستراتيجية الإماراتية في إفريقيا تفتقر إلى الشفافية، مشيرين إلى وجود فجوة كبيرة بين واردات الإمارات الرسمية من الذهب وإفصاحات الدول المنتجة، ما يوحي بتدفقات غير رسمية عبر دبي.
كما تحدث خبراء عن تهريب كميات كبيرة من الذهب المالي إلى الخارج بتواطؤ مع النظام العسكري؛ مما يضعف الاقتصاد المحلي.
وزادت الشكوك بعد الكشف عن فضيحة مالية كبرى تورطت فيها سفارة مالي في أبوظبي، حيث تم اختلاس أكثر من 200 مليون فرنك إفريقي بين عامي 2021 و2024، ما أثار تساؤلات بعض الناشطين المحليين والإقليميين حول الرقابة والشفافية في إدارة الأموال العامة.
بالمحصلة، تتجاذب البُعد الاقتصادي رؤيتانالأولى رسمية ترى في الإمارات شريكاً تمويلياً يساعد على سد العجز ودعم التنمية، والثانية معارضة تخشى من نهب الموارد الوطنية.
وتدعو الأخيرة إلى ضرورة تطبيق الشفافية والحوكمة في الاستثمارات وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في العائدات.
البعد الديني والثقافي
تعمل الإمارات على دعم مشاريع إنسانية أو تعليمية في دول العالم الإسلامي عبر مؤسسات مثل الهلال الأحمر وصندوق الغذاء العالمي، دون تدخل مباشر في الشأن الديني.
إلا أن بعض المفكرين الماليين يحذرون من أي دعم أجنبي قد يحمل أجندات فكرية أو ثقافية لا تتناسب مع الهوية الوطنية، داعين إلى ضرورة الإشراف المحلي على أي تمويل أو مبادرة ثقافية خارجية.
ورغم أنه لا توجد تصريحات رسمية من علماء ماليين بشأن الدور الإماراتي تحديداً، لكن يتم نقاش ذلك في حلقات وجلسات ضيقة، ويثار تخوف من محاولة إماراتية لاختراق المؤسسة الدينية في البلاد.
الجوانب الإنسانية والاجتماعية
أعلنت الإمارات أكثر من مرة دعمها للجهود الإنسانية في منطقة الساحل، وقدمت مساعدات غذائية وطبية وتمويلاً لمشاريع صغيرة في بعض الولايات المالية، وإن كان حضورها الميداني أقل مقارنة ببعض المانحين.
اجتماعياً، تتباين مواقف الماليين تجاه الشراكات الأجنبية بحسب المناطق والانتماءات القبلية.
ففي العاصمة باماكو يسود حذر من النفوذ الخارجي، ومن بينه النفوذ الإماراتي والتركي، بينما في شمال البلاد (الأزواد) يُبدي السكان تخوفاً من أن تستهدفهم المشاريع الحكومية أو الأجنبية في إطار ما يُعرف بـ “الحرب على الإرهاب”، حيث يتم جمع معلومات أمنية عن مناطق الأزواد.
في المقابل يرى كثير من سكان الشمال أن على الحكومة ضمان إشراكهم في أي مشروع تنموي أو استثماري تموله الإمارات أو غيرها.
كما تنتشر مخاوف بين الأزواد من أن يؤدي النفوذ الاقتصادي الإماراتي إلى إعادة تشكيل التوازنات القبلية والاقتصادية في المنطقة.
في المحصلة، تؤكد وسائل الإعلام المحلية أهمية احترام الهويات الثقافية والاجتماعية في أي تعاون خارجي، إذ تُرحّب بعض الشرائح بالمشاريع التنموية الإماراتية، بينما يرفض آخرون التمويل الخارجي خاصة إذا تم عبر قنوات غير شفافة.
العلاقات الإماراتية مع روسيا وتركيا وفرنسا في السياق المالي
شكّلت روسيا شريكاً محورياً جديداً لمالي بعد إعادة تنظيم جيشها بعيداً عن النفوذ الفرنسي، وتلتقي المصالح الإماراتية والروسية في الساحل ضمن ما يشبه تحالفاً غير معلن يهدف إلى الحد من الدور الغربي.
ورغم غياب التنسيق الرسمي بين موسكو وأبوظبي بشأن مالي، إلا أن كليهما يسعيان إلى استثمار حالة الفوضى لتوسيع مناطق نفوذهما.
أما تركيا، فبرزت كفاعل مهم في المجال الأمني عبر تصدير طائرات مسيرة استخدمها الجيش المالي في مواجهة الجماعات المسلحة.
وتختلف مقاربة أنقرة عن أبوظبي، إذ تركز الأولى على بناء نفوذ شعبي وأمني مباشر، بينما تعتمد الثانية على القوة المالية والدبلوماسية.
وبالنسبة لفرنسا، فقد تراجع دورها الميداني منذ عام 2022، فيما استثمرت الإمارات هذا الغياب لتعزيز موقعها كشريك مستقل لباماكو.
ويشير مراقبون إلى أن الاجتماعات الإماراتية الإفريقية الأخيرة عُقدت بمعزل عن الحضور الفرنسي، في دلالة على تراجع النفوذ التقليدي لباريس في الساحل.
الأهداف الاستراتيجية لأبوظبي في مالي
تسعى الإمارات بالدرجة الأولى إلى الوصول إلى موارد مالي الطبيعية مثل الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة، لدعم اقتصادها وتنويع مصادر طاقتها.
كما تهدف إلى بناء شبكة نفوذ جيوسياسية في الساحل تضم حكومات عسكرية صديقة، ضمن مشروع أوسع لتحالف اقتصادي وأمني يمتد من نيجيريا إلى المغرب بتمويل إماراتي.
وتحاول أبوظبي كذلك كبح نفوذ الجزائر وإيران في المنطقة، وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة تتعامل مع القوى الكبرى بندية.
ويتكامل هذا الدور مع استراتيجيتها الأوسع في السودان وليبيا والقرن الإفريقي، حيث تمزج بين الأهداف الأمنية والاقتصادية لتثبيت حضورها الدولي.




