تصعيد إسرائيلي ضد موريتانيا: حملة إعلامية للضغط من أجل التطبيع
شهد شهر تموز/ يوليو 2025 تصاعدًا لافتًا في الحملة الإعلامية الإسرائيلية الموجهة نحو موريتانيا. جاء هذا التصعيد بالتزامن مع زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى واشنطن للمشاركة في قمة مصغرة بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ركز الإعلام العبري في البداية على مزاعم حول انخراط نواكشوط في مسار تطبيعي محتمل، قبل أن ينقلب الخطاب بشكل حاد بعد النفي الرسمي الموريتاني، ما كشف عن مسار ضغط إعلامي ممنهج.
مزاعم التطبيع تتحول إلى هجوم إعلامي
مع بدء زيارة الرئيس الموريتاني إلى واشنطن، روّجت وسائل إعلام عبرية شائعات حول لقاء محتمل بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار مساعي الدفع نحو تطبيع العلاقات. لكن السفارة الموريتانية في واشنطن سارعت إلى نفي هذه المزاعم ببيان رسمي قاطع، مؤكدة أنها “عارية عن الصحة”.
هذا النفي كان نقطة تحول حاسمة. فبعد الترحيب المشروط، غير الإعلام الإسرائيلي لهجته بشكل مفاجئ، منتقلًا إلى الهجوم المباشر على موريتانيا. هذه الاستراتيجية تكشف عن محاولة واضحة لاستخدام الضغط الإعلامي كورقة سياسية ضمن مشروع التطبيع الذي تسعى إدارة ترامب لإعادة إحيائه في القارة الإفريقية.
اتهامات بدعم “حماس” ضمن الحملة
ضمن هذه الحملة الإعلامية المضادة، نشرت تقارير تزعم وجود دعم موريتاني غير مباشر لحركة حماس وكتائب القسام. استهدفت هذه التقارير منظمات موريتانية مثل “المنتدى الإسلامي الموريتاني” و”الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني”، متهمة إياها بجمع تبرعات تُستخدم لاحقًا في دعم البنية العسكرية للمقاومة، بما في ذلك الأنفاق والأسلحة.
كما زُجّ بأسماء شخصيات مثل سامي أبو زهري ومحمد أبو صقر على أنها تدير علاقات من نواكشوط، بالإضافة إلى الحديث عن تبرعات مزعومة من قبائل محلية مثل “إجمان” و”تندغة الواتسبية”. إلا أن هذه المزاعم تفتقر إلى أي دلائل ميدانية، وتندرج ضمن سردية إسرائيلية معتادة لتجريم أي فعل تضامني مع الفلسطينيين، حتى لو كان ذا طابع إنساني.
أهداف الحملة: ضغط ناعم واختبار للموقف الموريتاني
جاءت الحملة الإعلامية الإسرائيلية على موريتانيا في سياق عودة الولايات المتحدة لتبني مشروع “الاتفاقيات الإبراهيمية” كأداة استراتيجية لإدارة النفوذ في العالمين العربي والإفريقي. هذه الحملة شكلت اختبارًا مبكرًا لمدى استعداد نواكشوط للانخراط في مسار التطبيع عبر “الضغوط الناعمة”. تعكس هذه التكتيكات سلوكًا محسوبًا يبدأ بالتلميح الإيجابي، ثم ينتقل إلى التشويه المنظم عند مواجهة رفض رسمي.
تزامن توقيت الحملة مع زيارة الرئيس الموريتاني إلى واشنطن، حيث رُوّج للقاء غير معلن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. النفي الرسمي الموريتاني أحبط هذا المسار الرمزي الذي كانت تعول عليه تل أبيب وواشنطن لفتح نافذة تطبيع “منخفض الصوت” مع موريتانيا. تجدر الإشارة إلى أن موريتانيا ليست حديثة العهد بالعلاقات مع الكيان الإسرائيلي، فقد سبق أن أقامت علاقات دبلوماسية علنية حتى العام 2010 قبل قطعها.
التحول السريع للحملة من الترحيب الحذر إلى الهجوم الإعلامي بمجرد صدور بيان نفي واحد، يكشف عن هشاشة التقديرات الإسرائيلية المتعلقة بالبيئة السياسية الموريتانية، ويظهر سلوكًا دعائيًا لا يتحمل الممانعة أو الموقف المستقل. كما أن اللجوء إلى اتهام نواكشوط بتمويل “حماس” أو توفير حاضنة سياسية ولوجستية لها، يُظهر مدى استعداد الإعلام العبري لتوظيف سرديات أمنية عابرة للحدود للتأثير على القرار السياسي في الدول التي لا ترغب في التطبيع.
محاولات الربط بين قبائل موريتانية معروفة ومنظمات محلية ذات طابع تضامني مع غزة، وبين أنشطة “حماس” العسكرية، تُشير إلى أن إسرائيل تحاول توسيع مفهوم “الداعم للإرهاب” ليشمل حتى العمل الإنساني، في انتهاك صارخ لمفاهيم القانون الدولي الإنساني. هذا الاتهام ينسجم أيضًا مع نمط متكرر في استهداف دول مثل الجزائر وتركيا وجنوب إفريقيا، ما يضع موريتانيا ضمن نادي “الممانعة الناعمة” التي باتت تمثل مصدر إزعاج دبلوماسي لإسرائيل.
يدرك السياسيون في نواكشوط حساسية هذه المرحلة، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة. لكن الموقف الرسمي الرافض لأي تقارب مع الكيان الإسرائيلي يبدو – حتى الآن – منسجمًا مع المزاج الشعبي، ويشكل امتدادًا لسياسة الحذر التي تنتهجها الدولة منذ قطع العلاقات في عام 2010. ومع ذلك، فإن استمرار الحملة الإسرائيلية وارتفاع نبرتها قد يشكل اختبارًا إضافيًا لقدرة موريتانيا على حماية قرارها السيادي في السياسة الخارجية، دون أن تتحول إلى هدف مفتوح للتشهير أو الابتزاز الإعلامي والدبلوماسي.
المصدر: بوليتكال كيز




