شؤون تحليلية عربية

العلاقات التونسية الإماراتية.. بين المبادرات الاقتصادية والعوائق السياسية

بعد فتور طويل في العلاقات، تسعى تونس والإمارات العربية المتحدة إلى استعادة الزخم الدبلوماسي والاقتصادي بينهما.

زيارة وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي عبد الله بن طوق المري إلى تونس، ولقاءاته مع شخصيات حكومية بارزة، تعكس مساعي أبو ظبي لإعادة تموضعها في الساحة التونسية.

لكن واقع النزاعات الاستثمارية القديمة، والاشتباك الجيوسياسي مع الجزائر، يضعان هذه الجهود أمام تحديات غير بسيطة.

شهدت الأشهر الماضية تحركات دبلوماسية بين تونس وأبو ظبي تهدف إلى تجاوز مرحلة الجمود التي سادت العلاقات بعد 2021.

الإمارات، التي دعمت قيس سعيد في حملته ضد حزب النهضة، لم تُقدّم الدعم المالي المنتظر، ومع ذلك، عاد وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق المري إلى تونس مرتين خلال أشهر قليلة، حاملا مقترحات لاتفاقيات اقتصادية ومشاريع سياحية.

لكن التوترات الناتجة عن مشاريع إماراتية متعثرة كـ”سما دبي” و”مدينة تونس الرياضية”، والموقف الحذر للجزائر، تجعل عودة العلاقات إلى طبيعتها رهينة موازين معقدة.

الانفتاح الإماراتي الجديد

زار عبد الله بن طوق المري تونس مرتين بين أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2025، شارك في المنتدى الاقتصادي التونسي الإماراتي في 10 تموز/ يوليو، حيث التقى كلًا من سمير عبيد (وزير التجارة وتنمية الصادرات) وسفيان تكاية (وزير السياحة).

وطرح المري مبادرة لخفض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية تمهيدًا لتوقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة.

محاولات تجاوز التوترات

المنتدى الأخير جاء بعد زيارة وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي إلى أبو ظبي في آذار/ مارس الماضي، في خطوة تُظهر محاولات متبادلة لاستعادة الدفء الدبلوماسي.

وناقش المري مع تكاية إمكانية عقد المنتدى سنويًا، وطرح مشاريع سياحية خاصة، رغم الخلافات السابقة حول استثمارات عقارية إماراتية مثيرة للجدل.

مشاريع إماراتية متعثرة

مشروع “سما دبي” لا يزال يُثير توترات بين الجانبين، خاصة بعد دعوة الرئيس قيس سعيد إلى إعادة إطلاقه عبر رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري.

“مدينة تونس الرياضية” التي تتولاها مجموعة بوخاطر الإماراتية لم تتقدم رغم مرور 17 عامًا على إعلانها، ولم يُعقد المؤتمر الصحفي لإعادة إطلاقها في آذار/ مارس 2024 كما كان مقررًا.

علاقة نوفل سعيد، شقيق الرئيس، بمجموعة بوخاطر كمحامٍ قانوني، تثير تساؤلات حول تقاطع النفوذ السياسي بالمصالح الاستثمارية.

دعم المشروع حظي بتأييد وزير الصحة مصطفى الفرجاني، أحد أبرز الداعمين للرئيس سعيد.

تناقضات دبلوماسية

الفرجاني كان الممثل الحكومي الوحيد الذي حضر احتفالات اليوم الوطني الإماراتي في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

في المقابل، شارك ثلاثة وزراء (الفرجاني، النفطي، وعز الدين بن الشيخ) في احتفالات اليوم الوطني لقطر، الخصم الإقليمي لأبو ظبي.

يعكس هذا التفاوت استمرار التوازنات التونسية بين المحاور الخليجية المتنافسة.

التباعد المالي والسياسي

الإمارات رفضت مرارًا إيداع دعم مالي في البنك المركزي التونسي، على عكس الجزائر التي قدّمت 150 مليون دولار عام 2020.

أدى هذا الرفض إلى توترات داخل الحكومة التونسية، لا سيما بين وزير الاقتصاد سمير عبد الحفيظ ووزيرة المالية السابقة سهام بوغديري نمسية من جهة، والدبلوماسية الإماراتية إيمان أحمد السلامي من جهة أخرى.

العامل الجزائري

يعتمد استقرار العلاقات التونسية الإماراتية على الموقف الجزائري، نظرًا لارتباط تونس اقتصاديًا وطاقويًا بالجزائر.

الجزائر وأبو ظبي على خلافات ممتدة، خاصة حول الملف الليبي ومنطقة الساحل، ما يعقد أي تقارب علني بين تونس وأبو ظبي دون التنسيق مع الجزائر.

قراءة في العلاقات التونسية الإماراتية

المشهد التونسي الإماراتي اليوم ليس نتاج أزمة عابرة، بل انعكاس لصدام مصالح طويل بين منطق الهيمنة الإقليمية من جهة، والسيادة الوطنية والولاءات المتعددة من جهة أخرى.

فالإمارات، التي دعمت مسار قيس سعيد في 2021 لقطع الطريق على الإسلاميين، كانت تأمل أن تُكافأ عبر نفوذ اقتصادي واستثماري مباشر في تونس. لكن حسابات أبو ظبي اصطدمت بواقع سياسي داخلي متقلب، وشبكات نفوذ متشابكة محليًا وإقليميًا.

من جهة، المشاريع الإماراتية العملاقة مثل “سما دبي” و”تونس الرياضية” كُبّلت بفشل إداري، وارتباطات سياسية مثيرة للجدل كعلاقة مجموعة بوخاطر بنوفل سعيد، ومن جهة أخرى، فإن التردد في تقديم دعم مالي مباشر يعكس عدم استعداد الإمارات لتحمل تكاليف الانخراط الكامل في مشهد داخلي مأزوم.

أما من الزاوية الجيوسياسية، فإن الجزائر – حليف تونس المالي والاستراتيجي – ترفض أي نفوذ إماراتي في ساحتها الخلفية، أبو ظبي تدعم محاور معادية للموقف الجزائري في ليبيا والساحل، ما يجعل أي تقارب تونسي إماراتي بمثابة تهديد مباشر للجزائر، التي قد تستخدم نفوذها الاقتصادي للضغط.

الرمزية التي حملتها زيارات عبد الله بن طوق المري تؤكد أن الإمارات تحاول العودة، لكن بحذر شديد، ودون التورط في مشاريع لا تحظى بغطاء سياسي إقليمي أو توافق داخلي تونسي.

أما غياب أي إعلان واضح عن ضخ استثمارات جديدة أو تسوية النزاعات القديمة، فهو مؤشر على أن عودة العلاقات تسير ببطء، وتخضع لميزان دقيق بين المغامرة والمصلحة.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى