شؤون تحليلية دولية

حاكم إيران الفعلي.. صعود أحمد وحيدي وتحول مركز القرار الإيراني لصالح الحرس الثوري

تشير المعطيات إلى بروز “أحمد وحيدي” كفاعل مركزي في إدارة الصراع الإيراني–الأميركي من خلف الكواليس، بوصفه القائد الفعلي للحرس الثوري الإيراني منذ 28 فبراير من هذا العام، عقب مقتل سلفه “محمد باكبور” خلال غارات أميركية-إسرائيلية.

وحيدي، البالغ 67 عاماً، يتجنب الظهور العلني كلياً، ولم يدلِ بأي تصريحات أو مقابلات منذ توليه المنصب، ما يعكس نمط قيادة عملياتي غير إعلامي يختلف عن سلفه “قاسم سليماني”.

في المقابل، يظهر دونالد ترمب كرأس يدير التصعيد من الولايات المتحدة، بينما تُدار القرارات الفعلية عبر قنوات غير علنية بينه وبين وحيدي، في حين يؤدي كل من “جي دي فانس” و”محمد باقر قاليباف” أدواراً إعلامية في واجهة المفاوضات، خصوصاً في مسار إسلام آباد، دون امتلاك القرار النهائي.

سلوك الحرس الثوري ميدانياً يعكس أولوية القرار العسكري على الدبلوماسي، المثال الأبرز تمثل في حادثة مضيق هرمز، حيث أعلن وزير الخارجية “عباس عراقجي” إعادة فتحه، قبل أن تقوم القوات البحرية للحرس الثوري بإطلاق النار على ناقلات نفط خلال ساعات، ما يعكس أن القرار النهائي بيد المؤسسة العسكرية لا الدبلوماسية.

تفسير هذا التناقض انقسم بين من اعتبره دليلاً على صراع داخلي، وبين من رآه رد فعل مباشر على سياسات ترمب، خصوصاً استمرار الحصار الأميركي.

مسيرة وحيدي

مسيرة وحيدي تكشف جذور هذا النفوذ؛ إذ انضم إلى الحرس الثوري عام 1979، وتولى منصب نائب رئيس الاستخبارات عام 1981، ثم قاد فيلق القدس عام 1988، وكان مسؤولاً عن بناء شبكة الوكلاء الإيرانيين، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وحماس في غزة، إضافة إلى الفصائل العراقية والسورية.

كما شغل منصب وزير الدفاع (2009–2013) في عهد “محمود أحمدي نجاد” ووزير الداخلية (2021–2024) في عهد “إبراهيم رئيسي” حيث لعب دوراً رئيسياً في قمع احتجاجات 2022 التي اندلعت بعد مقتل “مهسا أميني”.

وحيدي متورط دولياً في قضايا إرهابية، أبرزها تفجير مركز “أميا” في بوينس آيرس عام 1994 الذي أودى بحياة 85 شخصاً، وهو مطلوب بمذكرات توقيف من الإنتربول، وخاضع لعقوبات أوروبية منذ 2008، ما يحد من تحركاته الدولية.

دولة الحرس الثوري

على مستوى البنية الداخلية، تكشف المعطيات عن تحول الحرس الثوري إلى “دولة داخل الدولة”، تقارير وول ستريت جورنال ومجلس العلاقات الخارجية تشير إلى أن الحرس يهيمن على الاقتصاد والسياسة معاً، عبر شبكة محسوبية تمتد إلى النفط والبناء والخدمات.

تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تضع حجم الاقتصاد الذي يديره الحرس بين 30 و50 مليار دولار سنوياً.

في قطاع النفط، يدير الحرس جزءاً كبيراً من الصادرات عبر “أسطول الظل”، مستفيداً من العقوبات لاحتكار قنوات التهريب، ما يحرم الدولة من عائدات مباشرة ويحوّل الموارد إلى شبكات موازية.

هذا التمدد الاقتصادي ترافق مع توسع أمني، حيث تدخل الحرس في التعيينات السياسية وعطل قرارات حكومية، وفق تقارير نيويورك تايمز، ما أدى إلى تهميش المؤسسات المدنية.

في سياق الخلافة، تشير التقديرات إلى أن تعيين وحيدي يخدم حماية انتقال السلطة إلى “مجتبى خامنئي” نظراً لافتقاره إلى قاعدة مستقلة قد تهدد التوازن الداخلي، ما يفسر بقاء دور وحيدي عملياتياً بعيداً عن الكاريزما السياسية.

المحصلة العامة تفيد بأن إيران لا تُدار حالياً كدولة تقليدية، بل كمنظومة تقودها شبكة عسكرية-أمنية يقودها الحرس الثوري، حيث تتقدم الاعتبارات العسكرية على السياسية، وتُدار الحرب كأداة لإعادة تشكيل الداخل، مع تركّز القرار بيد قيادات ميدانية على رأسها “وحيدي” في مقابل تراجع دور المؤسسات الرسمية.

الدلالات

يبدو أن إيران-بعد الضربات الثقيلة التي تعرضت لها- دخلت مرحلة غير مسبوقة من تركز السلطة الحقيقية في يد شخص واحد ودائرة ضيقة جداً حوله، وحيدي، أصبح اللاعب الأبرز خلف الكواليس.

هو لا يظهر علناً، ولا يتحدث، ولا يسعى للظهور الإعلامي، يدير الأمور بهدوء، ويبدو أنه يمسك بمعظم الخيوط الفعلية — العسكرية والأمنية والاقتصادية — بينما تُدفع شخصيات أخرى إلى الواجهة لأغراض رمزية وتعبوية، مثل “مجتبى خامنئي” الذي يُستخدم لتحشيد الاتباع وإعطاء غطاء ديني للنظام.

أما قاليباف وعراقجي وغيرهم، فيبدو أنهم يقومون بأدوار إعلامية أو دبلوماسية، لكنهم لا يملكون القرار النهائي.

هذا التركز الشديد للسلطة يأتي بعد غياب أو إضعاف قادة الصف الأول والثاني، مما جعل “الدولة الإيرانية” التقليدية (بمؤسساتها المدنية) شبه غائبة.

أصبح النظام يُدار أكثر من أي وقت مضى كمنظومة عسكرية-أمنية مركزية، يتقدم فيها الاعتبار العملياتي على السياسي، والقرار الميداني على الدبلوماسي، حادثة مضيق هرمز — حيث أعلنت الخارجية شيئاً ثم نفذ الحرس الثوري شيئاً آخر — تُلخص هذا الواقع بوضوح.

ما يميز هذه المرحلة أنها ليست صراعاً داخلياً بين تيارات، بل تحولاً هيكلياً: السلطة أصبحت مرتبطة بأشخاص وشبكات أكثر مما هي مرتبطة بمؤسسات.

وحيدي، بتاريخه الطويل في بناء شبكة الوكلاء الإقليميين ودوره في قمع الاحتجاجات السابقة، يبدو اليوم الشخص الأنسب لهذه المرحلة في ظل هذه الفوضى وهذا الفراغ في بنية النظام.

النتيجة أن إيران أصبحت تُدار اليوم من دائرة ضيقة جداً، يقودها وحيدي ومجموعة من قيادات الحرس، بينما تُستخدم بعض الوجوه العامة كغطاء رمزي. 

هذا النمط يحمي مركز القرار من الاستهداف، لكنه في الوقت نفسه يجعل النظام أكثر هشاشة أمام أي صدمة داخلية أو خارجية، لأن السلطة أصبحت مرتبطة بأشخاص أكثر منها بمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى