حرب النفوذ: القرن الأفريقي على صفيح ساخن
بقلم: د. سعيد ندا – دكتوراه علوم سياسية من جامعة القاهرة
متخصص في الشؤون الأفريقية
في تسارع لافت للانتباه، يجري في كوإلىس المشهد السياسي في القرن الأفريقي، ما ينبئ عن تغييرات كبيرة، ترغب القوي الفاعلة في إحداثها، فيما يمكن أن يطلق عليه حرب النفوذ، فثمة تحالفات وتحركات مدبرة، تدور بين اللاعبين الدوليين والإقليميين، وقوامها جميعا الجيوبولتيك (الجغرافيا السياسية) للمنطقة، التي يمر بها – إن صح التعبير – شريان التجارة الدولية الأبهر.
فثمة تنامي في النفوذ التركي في المنطقة، وإصرار روسي على البقاء على الساحة، وتقارب صيني إريتري، وتقارب أمريكي تايواني مع أرض الصومال، ولقاء مرتقب بين رئيس أرض الصومال ورئيس وزراء إثيوبيا، وتحالفات مصرية يجري نسجها بدقة محسوبة، وإقدام خليجي على تعزيز النفوذ، وهي لا شك تحالفات وتحركات استراتيجية متقاطعة، تخفي حرباً مستعرة من الجيل الرابع والخامس، ومن هنا تسعى هذه الورقة، إلى رصد وتصنيف تلك التفاعلات والتحركات، وتفكيك وتحليل دينامياتها، وصولا إلى استشراف مستقبل منطقة القرن الأفريقي ومحيطها، عبر المحاور التإلىة:
ديناميات الصراع وحرب النفوذ
تكتسب منطقة القرن الأفريقي أهميتها، بسبب إطلالتها الاستراتيجية على خليج عدن، وباب المندب، والبحر الأحمر، وصولا إلى قناة السويس، ومن هنا باتت محط تنافس وتصارع دولي وإقليمي محموم، ويمكن تصنيف وتقسم القوى المتصارعة على النفوذ في هذه المنطقة، إلى ثلاثة محاور رئيسية:
أولها المحور الغربي ويتصَدَرُه الولايات المتحدة، ومن يدور في فلكها، مثل القوى الأوروبية، وبعض القوى المتناثرة هنا وهناك.
وثانيها المحور الشرقي ويتصَدَرُه الصين ثم روسيا، ومن يتوافق معهما سياسياً واقتصادياً.
وثالثها القوى الإقليمية ولا رابط يجمع أيا منها بالآخر.
ومن نافلة القول إن هذا التصنيف، لا يستند إلى البعد الأيديولوجي، الذي غاب تماماً عن المشهد السياسي العالمي، وفي هذا الإطار سوف نتحدث عن أبرز – وليس كل – التفاعلات التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
- المحور الغربي
ترصد الولايات المتحدة ما يجري في المنطقة عن كثب، وبخاصة تلك التحركات والتفاعلات الصينية، وتستبقها بتحركات وتفاعلات مناوئة لها، سواءً بنفسها أو عن طريق حلفائها، وفي هذا الإطار تتحدث تقارير عدة، عن توظيف الولايات المتحدة علاقاتها الدولية، لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي من جهة، ومن جهة أخرى لمحاصرة النفوذ الصيني المتنامي، وفي هذا الاتجاه تراود الولايات المتحدة “صومالي لاند”، الدولة المستقلة من طرف واحد غير المعترف بها دولياً، عن شواطئها، وثرواتها المعدنية، واستقبالها مهجرين فلسطينيين، مقابل أن تمنحها الولايات المتحدة وحلفاؤها الاعتراف الرسمي.( )
فقد تحدثت تقارير عن عرض “عرضته صومالي لاند”، على الولايات المتحدة، لبناء قاعدة عسكرية لها، في موقع عسكري في مدينة بربرة، موروث من عهد المساعدات السوفيتية للصومال، وأكدت بعض هذه التقارير أن مفاوضات سرية، تجري حالياً بين الطرفين بهذا الشأن، ومن ناحية أخرى، يجري التفاوض على صفقاتِ تعدينٍ واسعة النطاق، في أراضي “صومالي لاند”، وهو ما يبدو منطقياً، في ضوء الاستراتيجية الاقتصادية الواضحة، التي ينتهجها الرئيس “دونالد ترامب”، مذ بدأت ولايته الثانية في البيت الأبيض.( )
ويبدو أن المساعي الأمريكية حدت بتايوان (دولة مستقلة عن الصين من طرف واحد لا يعترف بها سوى عدد محدود من الدول الصغيرة) إلى إبرام اتفاقية تعاون مع أرض الصومال، في تموز/يوليو 2025 في مجال حرس السواحل، وتتضمن الاتفاقية عقد تدريبات ومناورات مشتركة، وتبادل زيارات، وإعداد كوادر، بهدف تحقيق وتعزيز الأمن البحري، ولم يكن ذلك إلا لكسب ود الولايات المتحدة، أو بتنسيق معها وهو الأرجح، ذلك بأن الولايات تقدم دعماً سياسياً لتايوان، على الرغم من أنها لم تعترف بها رسمياً، وقد أثارت هذه الاتفاقيةُ الخارجيةَ الصينية، فأصدرت على لسان المتحدث الرسمي لسفارتها في الصومال، بياناً تحذيرياً لأرض الصومال، عارضت فيه أي تدخل في شئون الصين حيث قال المتحدث إن “تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين، لم تكن يوماً، ولن تكون أبداً، دولة مستقلة”.( )
- المحور الشرقي
لم يكتسب أي مكان في العالم أهميةً، تضاهي أهمية القرن الأفريقي، في استراتيجيات الخارجية الصينية، بدليل أنه كان وجهة أول قاعدة عسكرية صينية خارج الصين، حيث تستضيف جيبوتي قاعدة عسكرية صينية متقدمة، بالقرب من ميناء “دوراليه”، والقرن الأفريقي مرشحٌ أيضاً لاستضافة، ثاني القواعد العسكرية الصينية الخارجية، حيث توافرت عدة مؤشرات قوية، تنبئ بأن الصين وإريتريا يمهدان، للاتفاق على استضافة إريتريا لقاعدة عسكرية صينية، في إطار توطيد وتعزيز العلاقات بين البلدين، وبخاصة بعد أن انضمت إريتريا عام 2021، إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية.( )
وعلى الرغم من انشغال روسيا بحربها على أوكرانيا، إلا أن أفريقيا تدخل ضمن دائرة الاهتمام الأولى للخارجية الروسية، وفي القلب منها القرن الأفريقي، وليس أدل على ذلك من الانتشار الكثيف، لعمليات ملء الفراغ التي تنتهجها روسيا، في شتي مناطق القارة وبخاصةٍ تلك التي شهدت تراجعاً غربياً، والمساعي الحثيثة التي تبذلها روسيا، للحصول على موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر، وبخاصة باتجاه باب المندب والقرن الأفريقي، وذلك بعد أن أحبطت التحولات السياسية التي شهدتها السودان، مشروع روسيا لبناء قاعدة عسكرية بحرية في بورتسودان، وعلى الرغم من أن المشروع الروسي السوداني، لا يزال محل نقاش حتى اللحظة، إلا أن تقارير أفادت بأن روسيا، تتفاوض هي الأخرى مع إريتريا، على استضافة قاعدة عسكرية روسية.( )
- الفاعلون الإقليميون
ثمة ارتباط وثيق بين القرن الأفريقي، والمصالح الحيوية لكثير من الدول، سواءً كانت من دول الإقليم أو من غيرها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مصر، وإثيوبيا، وتركيا، والسعودية، والامارات.
مصر
لا شك في أن مصر صاحبة المصلحة الحيوية الأولى، في باب المندب والقرن الأفريقي، ذلك بأن أهمية هذه المنطقة تدور وجوداً وعدماً، مع الملاحة البحرية عبر قناة السويس، وبعد تباطؤ ملحوظ اتجهت مصر، نحو تعزيز حضورها في القرن الأفريقي، عبر التحالف الثلاثي الذي دخلت فيه مع الصومال وإريتريا، وعبر مشاركتها في بناء قدرات الجيش الصومالي، حيث أرسلت خبراءَها وقواتٍ عسكرية، مصحوبة بأسلحة وإمدادات لوجستية أخرى إلى الصومال، وعبر دخولها في شراكة اقتصادية مع جيبوتي، أسفرت حتى الآن عن توقيع الطرفين، اتفاقيات للتعاون في مجال تطوير الموانئ، وإقامة منطقة لوجستية، وإنشاء الطرق، وانشاء محطات للطاقة الجديدة والمتجددة، وهو ما أثار حفيظة إثيوبيا لما بينها وبين مصر، من خلافات بسبب قضية مياه النيل وسد النهضة.( )
إثيوبيا
تسعى إثيوبيا إلى بسط نفوذها في القرن الأفريقي، غير أن معوقاتٍ جمة تحول بينها وبين ذلك، أهمها الصراعات ذات البعد الإثني، المتأججة في أكثر من إقليم وأبرزها: التيجراي والأمهرة والأورومو، ثم تأتي بعد ذلك معضلة المنفذ البحري، الذي ما إن أعلنت عن طموحها للحصول عليه، حتى أثارت حفيظة دول الإقليم، وبخاصة إريتريا والصومال، وما إن شرعت في اتخاذ خطوات، نحو الحصول على منفذ بحري في إقليم “صومالي لاند” الانفصالى، حتى دخلت في أزمة دبلوماسية مع الصومال، بسبب انتهاكها سيادتها على أراضيها، بما في ذلك أراضي إقليم “صومالي لاند”، وعلى الرغم من مساعي احتواء هذه الأزمة، إلا أنها لا تزال كامنة تلقي بظلالها على المنطقة، وبخاصة في ظل احتفاظ إثيوبيا بأوراق ضغط على الصومال، منها: اللقاء المؤجل بين رئيس وزراء إثيوبيا “آبي أحمد”، ورئيس السلطة في “صومالي لاند” “عبد الرحمن محمد عبد الله”.( )
كما أدخلها ذلك في توتر شديد في علاقاتها مع إريتريا، أدى إلى تصعيد سياسي، تمثل في دعم كل طرف معارضين للطرف الآخر، والمتصارعين معه على السلطة، وتصعيد عسكري، تمثل في حشد قوات على المناطق الحدودية وبالقرب منها، وهو ما ينذر باشتعال حرب بين البلدين في أية لحظة.( )
وهناك توتر آخر تدور عليه رحى حرب النفوذ، في القرن الأفريقي بين مصر وإثيوبيا، على خلفية تطورات قضية سد النهضة، وهو ما حدا بمصر إلى التواجد العسكري في الصومال، وتكثيف الحضور السياسي والاقتصادي، في كثير من دول المنطقة، ومنها إرتيريا وجيبوتي وأوغندا وكينيا.
تركيا
تسعي تركيا نحو تعزيز حضورها في أفريقيا، عبر مزيد من الأسإلىب والوسائل والأدوات، منتهجة في ذلك نظرية الإخلاء أو ملء الفراغ، وبخاصة بعد التراجع الفرنسي والغربي عموماً، وقد حققت تركيا تقدما كبيراً على هذا المسار، وبخاصة في منطقة القرن الأفريقي، وكان آخر ما حققته منه، عَقْدها اتفاقية تعاون دفاعي، مع جيبوتي يوليو/تموز 2025، وعلى الرغم من أن الحضور العسكري التركي في المنطقة، لا يستهدف مُنَاوَأَةِ أيا من أطرافها، إلا أنه يمنح بعض دول المنطقة، ميزة تفضيلية وتفوقاً عسكرياً، قد يغري هذه الدول للدخول في مواجهة عسكرية مع جيرانها.( )
السعودية
لا تزال السعودية تولي اهتماماً بالغاً، بنسج علاقات تعاونية متينة على الساحة الأفريقية، وبخاصة في منطقة القرن الأفريقي، لجهة اتصالها بالأمن البحري السعودي، حيت تُشَاطِئ المملكة جل الضفة الشرقية للبحر الأحمر، هذا فضلاً عن المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بالمنطقة، وعلى الرغم من ضعف وغموض الحضور العسكري السعودي في القرن الأفريقي، إلا أنه يظل مؤثراً باتجاه استمرار بعض الصراعات المسلحة، وبخاصة في السودان، حيث أَوْرَدت تقارير أن السعودية قدمت أسلحة إلى قوات “الدعم السريع”، فيم تحدثت تقارير أخرى، عن أن المملكة اتجهت مؤخراً، إلى دعم قوات الجيش السوداني.( )
الإمارات
تأتي الإمارات في مقدمة الدول، التي يمثل حضورها في القرن الأفريقي، بل وفي جُلِ المناطق الأفريقية، خطورةً على الاستقرار والأمن، حيث تنتهج سياسات من شأنها، دعم الأطراف المتورطة مباشرة في الصراعات المسلحة، بالتمويل والتسليح بل وبالتدريب أيضاً، وفي أغلب الحالات توجه دعمها للأطراف المارقة، المناوئة لسلطات الدولة، سعياً وراء الصفقات غير المشروعة للحصول على الموارد، باعتبارها أكثر ربحية من سلوك الطرق المشروعة، كما هو الحال في السودان وليبيا وأفريقيا الوسطى وغيرها، وهو ما يعد عاملاً رئيسياً مؤججاً للصراعات، ودافعا لاستمرارها وديمومتها، وبخاصة في منطقة القرن الأفريقي ومحيطها.( )
حرب النفوذ ومستقبل القرن الأفريقي
لا شك في أن التوجهات والتحركات، التي يشهدها القرن الأفريقي، تنذر بتغييرات جذرية في موازين القوى، خاصة وأن المنطقة تتسم ببيئة صراعية شديدة التعقيد، أضف إلى ذلك إصرار الفاعلين الدوليين والإقليميين، على تحقيق أهدافهم المتقاطعة، وهي الحالة التي يمكن وصفها بأن المنطقة أصبحت على صفيح ساخن، ولا سبيل إلى تبريده اتفاقاً في المدى المنظور، وفي ضوء التحليل السابق لأهداف وتحركات الأطراف الفاعلة في المنطقة، يمكن القول بأن مستقبل المنطقة ينتظره عدة سيناريوهات، نوجز بيانها فيما يلي:
السيناريو الأول:
تأجج الصراعات المسلحة المشتعلة، حالياً واندلاع صراعات مسلحة جديدة، بين بعض الدول وبخاصة بين إثيوبيا وإريتريا، وداخل بعض الدول مثل: الصومال وإثيوبيا وإريتريا، مع تورط بعض الأطراف الدولية والإقليمية بصورة أو أخرى، في تغذية هذه الصراعات بما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها، وهو سيناريو وإن كان مستبعداً إلا أنه يظل قائماً، وبخاصة في ظل السياقات غير المواتية، التي تراكمت فيها مسببات الصراعات الجارية، بل والمحتملة أيضاً.
السيناريو الثاني:
التوصل إلى تسوية شاملة تقود إلى استقرار المنطقة، ويستند هذا السيناريو إلى رغبة الأطراف من دول المنطقة، في تجنب الدخول في مواجهات عسكرية، وبخاصة وأن مثل هذه المواجهات العسكرية تشكل خطورة بالغة، على بقاء الأنظمة الحاكمة لهذه الدول، وهذا السيناريو مستبعدٌ أيضاً، نظراً لتداخل أدوار بعض الفاعلين من دون الدولة، ممن يصعب التعاطي معهم، وإزالة مسببات تمردهم على الأنظمة الحاكمة.
السيناريو الثالث:
استمرار حالة عدم الاستقرار والتوتر، مع تسوية جزئية لبعض الصراعات، وتهدئة مؤقتة للتصعيد بين بعض دول المنطقة، وهو ما نرجحه على المدي القريب والمتوسط، ويستند هذا السيناريو إلى: شدة تعقيد الأزمات الداخلية، التي تمر بها بعض الأنظمة الحاكمة، كما في إثيوبيا والصومال وإريتريا، وتقاطع المصالح بين دول المنطقة وبعضها البعض، وكذلك بين الفاعلين الدوليين والإقليميين وبعضهم البعض، بدرجة كبيرة تستعصي على التسوية، على الأقل في المدي المنظور.
المصدر: بوليتكال كيز




