هجوم مسيّرات FPV في كيدال: تحوّل نوعي في تكتيكات جبهة تحرير أزواد واستهداف مباشر لبنية التفوق الجوي المالي
نفذت جبهة تحرير أزواد في 24 أكتوبر 2025 هجومًا باستخدام مسيّرات انتحارية/FPV استهدف موقعًا للجيش المالي داخل المعسكر السابق لبعثة مينوسما في كيدال. وأفادت مصادر خاصة لـ بوليتكال كيز بأن الضربات أصابت ودمرت مركز أو منصة التحكم بالطائرات المسيّرة التابعة للجيش المالي داخل القاعدة.
ولا تكمن أهمية العملية في نتائجها المباشرة فحسب، بل في دلالتها على انتقال جبهة تحرير أزواد إلى نمط حرب قائم على المسيّرات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، في مواجهة الجيش المالي وحلفائه الروس، ولا سيما الفيلق الأفريقي الذي ورث جزءًا من أدوار فاغنر في مالي. وقد تزامن هذا المسار مع تطورات لاحقة، حيث أعلنت الجبهة، بالتوازي مع هجمات لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، السيطرة على كيدال وأجزاء من غاو، في حين أفادت مصادر ميدانية بانسحاب أو تفاوض عناصر الفيلق الأفريقي من المدينة.
خلفية ميدانية وسياسية: كيدال بعد مينوسما
تحولت كيدال إلى نقطة ثقل استراتيجية عقب انسحاب بعثة مينوسما من مالي، والذي اكتمل في 31 أكتوبر 2023 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2690، بعد تنفيذ خطة انسحاب بناءً على طلب السلطات المالية، وغادر آخر عناصر البعثة المنطقة برًا وجوًا.
هذا الانسحاب أوجد فراغًا أمنيًا وسياديًا بالغ الحساسية. فمن جهة، اعتبرت باماكو استلام القواعد الأممية السابقة تأكيدًا على استعادة السيادة في الشمال. ومن جهة أخرى، رأت الحركات الأزوادية في هذه القواعد مواقع رمزية وعسكرية ذات أهمية مركزية، لوقوعها ضمن المجال التاريخي والسياسي للحركات الطوارقية والانفصالية. ونتيجة لذلك، تحولت قاعدة كيدال إلى محور تنازع بين الجيش المالي، الحركات الأزوادية، والتنظيمات الجهادية الناشطة في المنطقة.
في هذا السياق، اتجهت باماكو إلى تعزيز اعتمادها على الدعم الروسي، في ظل تراجع الحضور الغربي والأممي، وشمل ذلك انتشارًا ميدانيًا عبر فاغنر سابقًا ثم الفيلق الأفريقي، إلى جانب استخدام منظومات مسيّرة، أبرزها الطائرات التركية من طراز Bayraktar TB2، التي شكّلت عنصر تفوق ناري واستطلاعي في الشمال.
تحوّل في طبيعة الصراع: من التمرد التقليدي إلى الحرب الهجينة
تعكس عملية كيدال انتقال الصراع في شمال مالي من نمط التمرد الصحراوي التقليدي إلى نموذج حرب هجينة، يجمع بين الحركة البرية السريعة، والاستهداف الجوي منخفض الكلفة، والحرب الإعلامية، إلى جانب تحالفات ميدانية مرنة.
فالقاعدة السابقة لمينوسما لم تعد مجرد موقع عسكري، بل أصبحت رمزًا لصراع السيادة بين باماكو وأزواد، ومؤشرًا على اختبار فعالية التحالف المالي–الروسي. وقد راهنت باماكو، بعد خروج مينوسما وفرنسا، على استعادة السيطرة في الشمال عبر مزيج من الجيش الوطني والدعم الروسي واستخدام المسيّرات المسلحة.
غير أن استهداف مركز التحكم بالطائرات المسيّرة داخل كيدال، وما تلاه من تصعيد في أبريل 2026، يشير إلى قدرة جبهة تحرير أزواد على التكيّف السريع مع هذا النمط. فبدل مواجهة التفوق الجوي مباشرة، اتجهت إلى ضرب بنيته الأرضية، من خلال استهداف مراكز التحكم، والأرتال، ونقاط التمركز، ومنظومات الاتصال.
دور الفيلق الأفريقي: دعم فعّال بحدود واضحة
يظهر الفيلق الأفريقي في هذا السياق كقوة دعم مهمة، لكنها غير حاسمة. إذ يعزز وجوده قدرات باماكو في القتال المباشر والتدريب والحماية، لكنه لا يعالج التحديات البنيوية في شمال مالي، والمتمثلة في اتساع الجغرافيا، وهشاشة السيطرة، وضعف الحاضنة المحلية في بعض المناطق، إلى جانب قدرة الخصوم على المناورة وبناء تحالفات تكتيكية.
وإذا صحت روايات الانسحاب أو التفاوض في كيدال، فإن ذلك يعكس مقاربة روسية تميل إلى تقليل الخسائر والحفاظ على القوة، بدل الانخراط في معارك استنزاف مفتوحة لصالح الجيش المالي.
مسيّرات FPV: سلاح منخفض الكلفة عالي التأثير
تمثل مسيّرات FPV تهديدًا متزايدًا في بيئة الصراع، إذ تتيح تحويل مكونات تجارية إلى قدرات عسكرية فعّالة. ولا يتطلب استخدامها بالضرورة بنية تصنيع مركزية أو دعمًا دولتيًا مباشرًا، بل يكفي توفر مكونات تجارية، وخبرة في التجميع والتشغيل، وبيئة تهريب مرنة.
هذا الواقع يعقّد جهود المواجهة، حيث لا يقتصر التحدي على مراقبة الأسلحة التقليدية، بل يمتد إلى مكونات مدنية مزدوجة الاستخدام يصعب حظرها أو تتبعها بشكل كامل.
مرحلة جديدة من التنافس على السيطرة
تشير المعطيات إلى أن شمال مالي يتجه نحو مرحلة تتزايد فيها أهمية المسيّرات الصغيرة لدى جميع الأطراف. وباتت السيطرة على مدن مثل كيدال وغاو وتيساليت وأنفيف مرتبطة بقدرة الأطراف على حماية قواعدها من الاختراق الجوي منخفض التكلفة، وليس فقط بقدرتها على فرض السيطرة البرية.
ومن المرجح أن تواصل جبهة تحرير أزواد توظيف المسيّرات كأداة استنزاف ضد الجيش المالي والفيلق الأفريقي، وكوسيلة ضغط سياسية تؤكد أن استعادة باماكو لكيدال بعد خروج مينوسما لم تتحول إلى سيطرة مستقرة على الأرض.




