منظومة إس-400 في إيران.. استعراض مؤقت أم شراكة استراتيجية مع موسكو؟
أثارت تقارير إعلامية إيرانية جدلًا واسعًا بعد الكشف عن نشر منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 على الأراضي الإيرانية، قرب مدينة أصفهان، في خطوة يُعتقد أنها جاءت بغرض الاختبار الميداني.
وبينما لم تؤكد طهران أو موسكو رسميًا عملية التسليم، يطرح هذا التطور تساؤلات استراتيجية حول اتجاهات السياسة الدفاعية الإيرانية، وشبكة علاقاتها مع روسيا والصين، ومستقبل التوازن الجوي في المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد المواجهة مع إسرائيل.
نقلت مصادر إيرانية في أواخر تموز/ يوليو الجاري معلومات عن نشر مؤقت لمنظومة إس-400 الروسية بالقرب من مدينة أصفهان، في ما وصفته بـ”اختبارات تشغيلية ميدانية”.
الاختبار شمل مكونات رئيسية من المنظومة: رادارات 91N6E و92N6E، وحدة القيادة والسيطرة، وعدة قاذفات أرض-جو متنقلة.
اللافت أن هذا التطور يأتي بعد أسابيع فقط من اشتباكات جوية مع إسرائيل بين 13 و24 حزيران/ يونيو، والتي كشفت هشاشة الدفاعات الجوية الإيرانية، وفق ما أظهرته تسجيلات متعددة للهجمات على مواقع عسكرية في طهران وأصفهان.
وكانت إيران قد زعمت أن منظومتها المحلية “باور 373” أسقطت ثلاث مقاتلات F-35I إسرائيلية، لكن تلك المزاعم قوبلت بتشكيك واسع، خاصة مع عدم توفر دلائل تصويرية مستقلة، وصمت تل أبيب عن تأكيد أو نفي الحادثة.
منظومة “باور 373″، رغم إعلان إيران تطويرها منذ 2019، تعاني من محدودية في الأداء والتجريب الميداني، كما أن القدرة الصناعية الإيرانية لا تكفي لتوفيرها على نطاق وطني واسع، ما يُعزز احتمال توجه طهران لاقتناء منظومات أجنبية أكثر نضجًا.
تقارير استخباراتية غربية اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” أوردت منذ أوائل تموز/ يوليو الجاري أن الصين زوّدت إيران بمنظومة دفاع جوي يُعتقد أنها HQ-9B – وهي منظومة مماثلة تقريبًا لـ S-400 من حيث المدى والأداء، وتُستخدم على نطاق واسع في الجيش الصيني وتُصدّر بنشاط.
لكن يُنظر إلى HQ-9B باعتبارها أقل نضجًا تقنيًا من S-400، وتفتقر إلى سجل عملياتي حقيقي في ظروف نزاع عالية الكثافة.
على الجانب الروسي، ورغم الطلب الإيراني المتكرر على منظومات متقدمة، تواجه موسكو ضغطًا لوجستيًا في تلبية طلبات S-400 بسبب الحرب في أوكرانيا.
روسيا سلّمت دفعات من S-400 لكل من بيلاروسيا والهند، لكنها اضطرت لتأجيل شحنات إضافية للهند، مما يُلقي بظلال الشك على توفر المنظومات لطهران.
منذ عام 2016، تمتلك إيران نسخة من S-300PMU-2، وهي النسخة السابقة لـ S-400، ورغم الفجوة التقنية بين النظامين، فإن امتلاك هذه الخبرة قد يسمح بتأهيل أطقم محلية لتشغيل S-400، أو على الأقل تسهيل تدريجهم لاحقًا.
في السياق الأوسع، ورغم تقارير إيرانية منذ 2022 عن صفقة مرتقبة لشراء مقاتلات سو-35 الروسية، لم يتم تسليم أي منها حتى الآن. أما الطائرات الصينية مثل J-10C أو J-16، فهي تتطلب سنوات من التدريب والدمج العملياتي قبل أن تُشكل ردعًا جوياً فعّالًا.
إذا تأكد وصول منظومة S-400 إلى إيران، فإن الحدث يُعد تطورًا استراتيجيًا في بنية الدفاع الجوي الإيراني، ويكشف عن محور متجدد في التعاون الروسي-الإيراني في المجال العسكري. ويعكس ذلك تنامي الحاجة الإيرانية إلى أدوات ردع متقدمة، خاصة في ظل غياب شبكة متكاملة من الإنذار المبكر والتحكم الجوي (AEW\&C) وضعف الأسطول الجوي القتالي الإيراني.
هذا التحول يأتي ضمن نمط متصاعد من التعاون الثلاثي بين إيران وروسيا والصين، بدأ يأخذ شكلًا أكثر تقنيًا وتخصصًا، يتجاوز التنسيق السياسي إلى تبادل تكنولوجي في مجالات الدفاع الصاروخي والطائرات من دون طيار. كما يمثل هذا السياق امتدادًا لاستراتيجية “التعددية الدفاعية” التي تعتمدها طهران مؤخرًا، لتجاوز الاعتماد المفرط على القدرات المحلية أو على مزود واحد للسلاح.
لكن في المقابل، فإن اعتماد إيران على تقنيات روسية أو صينية لا يُلغي فجوة التفوق النوعي الذي تمتلكه إسرائيل والولايات المتحدة في مجال الحرب الجوية، خاصة من حيث قدرات الشبكات الموحدة، الاستهداف طويل المدى، والحرب السيبرانية المرتبطة بالدفاعات الجوية.
تجدر الإشارة إلى أن تشغيل منظومة S-400 بدون شبكة إنذار مبكر قوية ولا دعم جوي كافٍ يجعلها عرضة للإخماد (Suppression) في بداية أي صراع عالي التقنية. فحتى أكثر المنظومات تطورًا تحتاج إلى تكامل مع منظومات قيادة وسيطرة متقدمة، وطائرات دورية بعيدة المدى، وغطاء جوي كفء – وهو ما لا يتوفر حاليًا لإيران.
لذلك، فإن نشر S-400 في إيران، سواء بشكل دائم أو مؤقت، لا يغير قواعد الاشتباك بالمعنى الاستراتيجي، لكنه يشير إلى تحول في العقلية الدفاعية الإيرانية، من الاكتفاء الذاتي الشكلي إلى الواقعية التشغيلية القائمة على استيراد التكنولوجيا المتقدمة.
المصدر: بوليتكال كيز




