تراجع السيطرة الإيرانية على الميليشيات الموالية لطهران في الإقليم
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الدولية إلى أن شبكة الميليشيات والوكلاء التي تديرها إيران في الإقليم لم تعد تعمل بالتماسك والانضباط السابق، بل دخلت مرحلة من التباين الواضح في الأداء والقرار، ما تعكس تراجع قدرة طهران على التحكم المباشر بهذه الأذرع رغم استمرار نفوذها عليها.
هذا التحول يأتي في ظل الحرب واتساع الجبهات، ما أجبر إيران على منح هامش أوسع للقادة الميدانيين، الأمر الذي أدى إلى تعدد مراكز القرار داخل الشبكة.
ميليشيات العراق
في العراق، تظهر الميليشيات الموالية لإيران حالة انقسام عملي بين فصائل تصعّد الهجمات وأخرى تتجنب الانخراط الكامل.
فقد نفذت هذه الميليشيات أكثر من 170 هجوماً ضد أهداف أمريكية في العراق وسوريا منذ بداية الحرب، ما يعكس مستوى تصعيد مرتفع، إلا أن هذا التصعيد لا يخضع لقيادة مركزية صارمة.
إذ اضطرت طهران إلى تفويض القادة الميدانيين باتخاذ قرارات تنفيذ العمليات دون انتظار أوامر مباشرة، ما أدى إلى تفاوت في السلوك العملياتي بين الفصائل.
بالتوازي، أظهرت تقارير أن عدداً من قادة هذه الميليشيات باتوا أقل رغبة في التصعيد، بسبب مخاوف تتعلق بالعقوبات الأمريكية وخسارة النفوذ الاقتصادي الذي راكموه داخل مؤسسات الدولة العراقية.
هذا التباين بين من يدفع نحو المواجهة ومن يفضل الحفاظ على المكاسب يعكس واقعاً هشاً داخل المنظومة، ويؤكد أن الميليشيات لم تعد تتحرك ككتلة واحدة تحت السيطرة الإيرانية المباشرة.
في هذا السياق، برزت تحركات مباشرة من قيادة فيلق القدس، حيث جاءت زيارة قائده “إسماعيل قاآني” إلى بغداد كمحاولة لإعادة ضبط العلاقة مع الميليشيات العراقية وإعادة فرض الانضباط، ما يدل على أن السيطرة لم تعد مضمونة وأن طهران مضطرة للتدخل المباشر لإدارة التباينات داخل شبكتها.
ميليشيات اليمن
في اليمن، يظهر النمط ذاته بشكل مختلف، حيث تمتلك جماعة الحوثي ترسانة عسكرية كبيرة تشمل مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تم تطويرها بدعم إيراني، إلا أن استخدامها لا يتم وفق توجيه إيراني مباشر بالكامل.
فعلى الرغم من تنفيذ الحوثيين أكثر من 100 هجوم على السفن بين عامي 2023 و2025، فإن مستوى مشاركتهم في التصعيد الحالي بقي محدوداً نسبياً، ما يشير إلى أن قرار استخدام القوة يخضع لحسابات ميدانية محلية أكثر من كونه استجابة فورية للتوجيه الإيراني.
هذا الواقع يعكس أن الميليشيات الحوثية، رغم ارتباطها بإيران، باتت تدير عملياتها وفق أولوياتها الخاصة، ما يعني أن النفوذ الإيراني قائم لكنه غير منضبط بالكامل.
ويؤكد ذلك أن طهران لم تعد تتحكم بشكل مباشر في توقيت وشكل العمليات التي تنفذها أذرعها، بل تواجه شبكة تعمل بشكل شبه مستقل ضمن إطار عام من الارتباط السياسي والعسكري.
السياق والدلالات
شبكة الميليشيات والوكلاء الإيرانية في الإقليم دخلت مرحلة انتقالية واضحة، تتميز بتراجع السيطرة المركزية وصعود الاستقلالية النسبية لدى الأذرع الميدانية.
إيران، التي بنت على مدى عقود منظومة مترابطة تعمل وفق أوامر مباشرة من طهران، أصبحت اليوم تواجه شبكة أكثر فوضوية وأقل انضباطاً.
الحرب واتساع الجبهات أجبراها على منح هامش أوسع للقادة الميدانيين، فتحول هذا الهامش تدريجياً إلى استقلالية عملية في اتخاذ القرارات.
النتيجة أن بعض الأذرع أصبحت تتصرف وفق حساباتها الخاصة — سواء اقتصادية أو محلية أو سياسية — أكثر مما تتبع توجيهاً مركزياً صارماً.
هذا التحول يعكس ظاهرة طبيعية في أي شبكة وكلاء واسعة عندما تطول الصراعات وتشتد الضغوط.
السيطرة المباشرة تصبح مكلفة وصعبة، فيتحول النفوذ من “أمر وتنفيذ” إلى “توجيه عام وتنفيذ ذاتي”.
إيران ما زالت تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً على هذه الشبكة، لكن قدرتها على التحكم في التوقيت والمستوى والشكل أصبحت محدودة بشكل ملحوظ.
الخطر على طهران ليس في فقدان الشبكة، بل في تحولها إلى أداة غير قابلة للضبط الكامل، فالأذرع التي كانت تُستخدم بدقة كأدوات ضغط أصبحت الآن قادرة على اتخاذ قرارات قد تُعرض إيران لتداعيات غير مرغوبة، أو قد تُضعف موقفها في لحظات حساسة.
هذا الواقع الجديد يفرض على إيران تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على تماسك الشبكة من جهة، والتعامل مع تبعات استقلاليتها المتزايدة من جهة أخرى.
فيلق القدس يحاول إعادة الضبط، لكن المسافة بين التوجيه المركزي والتنفيذ الميداني أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل الحرب.




