فتور في العلاقة بين واشنطن وتونس.. قيس سعيد يطالب بالمساعدات العسكرية والبيت الأبيض يتجاهل
في أول لقاء رسمي بين الرئيس التونسي قيس سعيد، ومسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، سعت تونس إلى إحياء التعاون العسكري والأمني مع واشنطن.
لكن اللقاء، الذي عُقد في قصر قرطاج، أظهر اتساع الهوة بين البلدين، في ظل استمرار الولايات المتحدة في سياساتها العقابية منذ انقلاب 2021، وتوجّه تونس شرقاً نحو الصين وإيران.
لم يحقق اجتماع سعيد–بولس أي تقدّم في ملف المساعدات العسكرية، حيث أن واشنطن ترفض إعادة الدعم الأمني إلى مستوياته السابقة لعام 2021.
هناك قلق داخل المؤسسة العسكرية التونسية من تقلّص التمويل الأمريكي، ولذلك يلوّح سعيد بشراكات مع إيران والصين كبدائل استراتيجية.
يأتي ذلك في ظل تجاهل أمريكي لمطالب تونس المتعلقة بالقمح وتخفيف الرسوم الجمركية.
نهاية اللقاء اتسمت بموقف رمزي عبّر فيه سعيد عن موقفه من العدوان على غزة، وسط برود أمريكي.
عُقد اللقاء بين قيس سعيد ومسعد بولس يوم 22 تموز/ يوليو في قصر قرطاج، بحضور نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شمال أفريقيا جوشوا هاريس، والسفير الأمريكي المؤقت جوي هود.
وعلى الرغم من تطلعات تونس بإعادة التمويل العسكري الأجنبي إلى مستوى 90 مليون دولار (كما كان في 2021)، إلا أن بولس لم يُبدِ أي مرونة، مكتفيًا بتثبيت الرقم الحالي عند 45 مليون دولار لعامي 2023 و2024، كاستمرار للسياسة العقابية التي اعتمدتها إدارة بايدن بعد انقلاب سعيد في تموز/ يوليو 2021.
ويواجه الجيش التونسي، الذي اعتمد طويلًا على الشراكة مع الولايات المتحدة في التدريب والتمويل، ضغوطًا متزايدة بسبب الانكماش في الدعم.
التوتر الداخلي بين سعيد ومجلس الأمن القومي تصاعد منذ إعادة انتخابه في أكتوبر 2024، ما يزيد من هشاشة العلاقة بين الطرفين.
على المستوى الاقتصادي، لم تُثمر جهود الرئيس التونسي للحصول على دعم أمريكي في ملف الأمن الغذائي، تحديدًا في ملف القمح، الذي تعاني تونس من نقص حاد فيه.
كما تجاهل بولس أي إشارة إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن بنسبة 28% على الصادرات التونسية، في حين سيُوكل ملف التفاوض بشأنها لوزير التجارة سمير عبيد.
في ختام الاجتماع، قدّم سعيد صورًا لأطفال من غزة يتضورون جوعًا، في خطوة سياسية رمزية حمّل فيها واشنطن مسؤولية أخلاقية تجاه الوضع الفلسطيني، ما فاجأ الوفد الأمريكي وأبرز اختلافًا جذريًا في الرؤية السياسية بين الطرفين.
تُظهر المقاربة الأمريكية تجاه تونس استمرار واشنطن في التعامل مع قيس سعيد بمنطق الردع لا الشراكة، في ظل تصاعد النزعة السلطوية في الداخل التونسي.
ورغم عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض، لم يُترجم ذلك إلى دعم فعلي لسعيد، بل واصل فريق ترامب النهج الصارم تجاه ملف الديمقراطية والحريات.
الموقف الأمريكي يستند إلى قناعة مفادها أن سعيد لا يُشكّل شريكًا مستقرًا في بيئة إقليمية مضطربة، من جهة أخرى، تنظر واشنطن إلى المؤسسة العسكرية التونسية باعتبارها الضامن الأهم للتماسك، ما يفسر استمرار الدعم الأمني في حدوده الدنيا دون رفعه.
في المقابل، فإن تلويح تونس بالتقارب مع الصين وإيران، ورغم رمزيته، لا يبدو قادرًا على تعويض غياب الدعم الغربي، نظرًا لضعف البنية الاقتصادية والمالية للدولة، وارتهانها للمؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد، الذي ترفض تونس شروطه.
تُشير مجريات اللقاء إلى أن العلاقة بين تونس وواشنطن ستظل في حالة “تجميد محسوب”، تُمنع فيها القطيعة الكاملة، ويُقيَّد فيها الدعم، وتُراقب فيها تحركات سعيد عن كثب. كما أن عدم إثارة سعيد لموضوع الرسوم الجمركية، رغم أهميته، يعكس محدودية أدواته التفاوضية، واعتماده على لغة رمزية – كما في موقفه من غزة – أكثر من الاعتماد على أوراق ضغط عملية.
المصدر: بوليتكال كيز




