شؤون تحليلية دولية

بعد طول انتظار.. إيران تتسلم مقاتلات سوخوي 35 من روسيا

تعود قضية تحديث سلاح الجو الإيراني إلى الواجهة مجددًا مع مؤشرات متزايدة على بدء تنفيذ صفقات تسليح روسية متقدمة لطهران، في مقدمتها مقاتلات “سوخوي 35” التي طال انتظارها.

فبعد سنوات من الجمود والعقوبات، يبدو أن إيران تتجه فعليًا نحو نقلة نوعية في قدراتها الجوية، مدفوعة بالتحولات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط، وبالتقارب الاستراتيجي المتسارع مع موسكو.

وفي حين تتحدث المصادر الرسمية الإيرانية عن استيراد طائرات MiG-29 كحلٍّ مؤقت، تشير تحليلات بيانات الطيران وصور الأقمار الصناعية إلى نشاط غير معتاد بين روسيا وإيران، ما قد يدل على بدء توريد المقاتلات المتطورة فعلاً.

هذا التطور، إن تأكد، لا يمثل مجرد صفقة عسكرية، بل تحولًا في موازين القوى الإقليمية، يثير قلق واشنطن وتل أبيب ويعيد خلط الأوراق في سماء الشرق الأوسط.

بثّت وسائل إعلام إيرانية تسجيلًا لعضو لجنة الأمن القومي الإيراني “أبو الفضل زهروند” تناول فيه مسألة استيراد بلاده لمقاتلات MiG-29 الروسية كحلٍّ قصير الأجل لأزمة إيران على مستوى القوات الجوية، مؤكدًا أنه سيجري استيراد طائرات “سوخوي 35 – Su-35” تدريجيًا كحلٍّ طويل الأمد.

جاءت تصريحات زهروند متزامنة مع إشارات رصدتها منصة إيكاد، تُعطي احتمالية أكبر لبدء توريد هذه المقاتلات إلى إيران.

إشارات الرصد الأولية

عقب تصريحات المسؤول، ومع أخذها زخمًا واسعًا في الإعلام الإيراني، عمدنا إلى البحث في سجلات الملاحة الجوية بين روسيا وإيران للوصول إلى أي مؤشر حول مسألة الطائرات المذكورة.

في 27 سبتمبر، رُصدت طائرة شحن عسكرية روسية من طراز Antonov An-124-100 Ruslan، تحمل رقم التسجيل RA-82040، وقد أقلعت من مدينة إيركوتسك الروسية.

لم تكن وجهتها محددة على برامج الملاحة، لكن التتبع اليدوي أظهر أنها انطلقت بمسارات متقطعة حتى وصلت إلى موقعٍ قريب من طهران، ثم اختفت إشارتها تمامًا، ما يرجّح أنها هبطت في إيران.

وفي اليوم التالي، 28 سبتمبر، أقلعت الطائرة ذاتها من موقعٍ قريب من طهران دون تحديد وجهتها، قبل أن تظهر فوق موسكو لاحقًا ثم تختفي هناك.

علاقة هذه الرحلات بطائرات “سوخوي”

الإجابة تكمن في مدينة إيركوتسك التي انطلقت منها الطائرة في رحلة الذهاب نحو إيران، حيث تضم “مصنع إيركوتسك للطيران”، أحد أبرز الأذرع الهندسية التابعة لشركة ياكوفليف، وأكثرها تقدّمًا ونموًا في روسيا.

صُمّم هذا المصنع لإنتاج الطائرات الجديدة ونماذج الاختبار، إضافةً إلى تصنيع وبيع ملحقات الطائرات. وهو الجهة التي صنّعت مقاتلة سوخوي-30 التي نفّذت أولى رحلاتها عام 1992، إلى جانب إنتاج طائرات سوخوي المدنية.

ويقع قرب المصنع مدرج طائرات يُرجَّح استخدامه في عمليات تجريب الطائرات أو نقل الشحنات من المصنع.

الأدلة من صور الأقمار الصناعية

عند الرجوع إلى صور الأقمار الصناعية من Sentinel Hub، رُصدت في 26 سبتمبر طائرة شحن عملاقة من طراز Antonov.

وبحساب أبعاد الطائرة تبيّن أن طولها 67 مترًا وامتداد جناحيها 70 مترًا، وهي أرقام مقاربة لأبعاد طائرات Antonov An-124-100 Ruslan (69.1 متر طولًا و73.3 متر عرضًا)، بحسب الموقع الرسمي للشركة المصنِّعة.

وهذه الطائرة هي نفس الطراز الذي انطلق إلى إيران وتم رصده في بداية هذا التحليل.

القدرات التقنية للطائرة

تستطيع Antonov An-124-100 Ruslan أن تحمل نحو 120 طنًا من المعدات، ما يعني قدرتها على نقل عدة طائرات سوخوي أو مكوّناتها، إذ لا يتجاوز وزن الطائرة الفارغة من طراز Su-35 نحو 18.4 طنًا فقط.

تُعزّز المعطيات السابقة الترجيحات بأن إيران ربما استلمت طائرات سوخوي 35 أو بعض مكوناتها من روسيا.
ويبقى تأكيد الأمر رهنًا بالتطورات القادمة والمزيد من البيانات.

التحركات الأخيرة بين موسكو وطهران، التي ترافقت مع مؤشرات على نقل طائرات «سوخوي 35» إلى إيران، لا تبدو مجرد صفقة سلاح عادية، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

فإيران، التي تعاني من ضعف مزمن في سلاحها الجوي، ترى في هذه الصفقة فرصة لاستعادة التوازن وتعزيز قدرتها الردعية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

الرحلات الجوية الغامضة بين مدينة إيركوتسك الروسية وطهران، وتحديداً تلك التي نفذتها طائرة الشحن العملاقة «أنطونوف»، ترجّح أن عملية تسليم فعلية أو جزئية قد بدأت بالفعل.

هذه المؤشرات، مقترنة بتصريحات المسؤولين الإيرانيين، تكشف أن الصفقة دخلت مرحلة التنفيذ الحذر بعيداً عن الأضواء لتجنب التصعيد الدولي.
بالنسبة لطهران، تمثل «سوخوي 35» أكثر من سلاح جديد؛ إنها إعلان رمزي عن نهاية مرحلة الحصار العسكري والتقني.

أما لموسكو، فالتقارب مع إيران يعوّض جانباً من عزلتها ويمنحها موطئ قدم ثابتاً في الخليج، في ظل التراجع الغربي عن احتواء نفوذها.

أمنياً، إدخال هذه المقاتلات إلى الخدمة، حتى بعدد محدود، سيجعل الأجواء الإيرانية أكثر صعوبة أمام تحركات الطيران الإسرائيلي وعمليات الاستطلاع الأمريكية.

وقد تضطر تل أبيب وواشنطن إلى مراجعة خططهما الجوية في ظل وجود رادارات وقدرات اعتراض جديدة.

لكن التحديات أمام إيران لا تزال قائمة، خصوصاً في مجالات التدريب والصيانة والتشغيل، وهو ما يُتوقّع أن تعوّضه روسيا بإرسال خبراء ومستشارين عسكريين.

في الجوهر، ما يحدث هو تبادل مصالح: موسكو تمنح طهران أدوات ردع متقدمة مقابل ولاء سياسي أو تموضع أوثق، فيما تستخدم إيران هذه الورقة لتأكيد حضورها كقوة إقليمية يصعب تجاوزها.

وبينما يراقب الغرب المشهد بقلق، يبدو أن الشرق الأوسط والخليج العربي يدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح الجوي، تتغير فيها قواعد اللعبة، ويصبح “التحليق” بحد ذاته رسالة قوة وردع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى