قمة الناتو: هل يتلاشى العدو المشترك بين أمريكا وأوروبا؟
الكاتب: أندرو كوربيت
المصدر: The Conversation Global
ترجمة: بوليتيكال كيز
واجه الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، مهمة شاقة في قمة لاهاي هذا الأسبوع. كان عليه أن يدير الاجتماع وسط تباين واضح في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وأوروبا حول التهديدات الأمنية الراهنة. ورغم جهوده المذهلة في استرضاء دونالد ترامب بشكل علني ومحترم لضمان نتائج حاسمة للحلف، يبدو أن روته قد نجح في مهمته مؤقتاً.
لكن ما كشفته هذه القمة، وما سبقها من أحداث، هو أن الولايات المتحدة وأوروبا لم تعودا تتفقان على وجود عدو مشترك واحد. تأسس الناتو عام 1949 كتحالف دفاعي ضد التهديد السوفيتي المعلن، واستمر كذلك طوال الحرب الباردة. ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ركز الناتو على موسكو كتهديد رئيسي للسلام الدولي. لكن اليوم، تزايد عدوانية الصين يطالب الولايات المتحدة بتحويل انتباهها.
إشارات على تغيّر الأولويات
هناك بعض التحركات الرمزية التي تشير إلى تغير ميزان القوى والاهتمامات. فمنذ الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022، استخدمت جميع بيانات قمة الناتو نفس الصياغة: “نحن نلتزم بالقانون الدولي ومقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ونلتزم بدعم النظام الدولي القائم على القواعد”.
المفارقة اللافتة أن الإعلان الصادر عن قمة لاهاي في 25 يونيو لم يذكر أياً من هذين البندين. بل إن فقرات الإعلان الخمس كانت مختصرة للغاية، وركزت بالكامل على تصوير التحالف من حيث القدرة العسكرية والاستثمار الاقتصادي اللازم لدعمها. غاب ذكر القانون والنظام الدوليين هذه المرة.
يبدو هذا نتيجة لقمة مختصَرة ومصممة بعناية لاحتواء أي تدخلات غير متوقعة من ترامب. كما يبدو مؤشراً على اتساع الفجوة بين المسار الاستراتيجي الأمريكي والمصالح الأمنية التي تراها كندا والأعضاء الأوروبيون في الناتو. إن قصر هذا الإعلان وتركيزه على نطاق ضيق من القضايا يشير إلى وجود خلافات عميقة لا يمكن التغلب عليها بسهولة.
الانقسام حول روسيا وأوكرانيا
منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، توحد حلفاء الناتو في انتقاد روسيا ودعم أوكرانيا، ولكن هذا التوحد يتصدع الآن.
منذ يناير، لم تأذن إدارة ترامب بأي مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بل خفّضت بشكل كبير الدعم المادي والانتقاد لروسيا. سعى ترامب لإنهاء الحرب بسرعة بشروط ترقى إلى استسلام فعلي أمام العدوان الروسي؛ حيث يقترح الاعتراف بسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم والسيطرة الفعلية على بعض الأراضي المحتلة الأخرى. كما أشار إلى أن أوكرانيا لن تنضم إلى الناتو ولكن قد تحصل على ضمانات أمنية وحق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، سعى الحلفاء الأوروبيون إلى تمويل ودعم الجهود الدفاعية لأوكرانيا، بزيادة المساعدات العسكرية ومواصلة تشديد العقوبات.
ومن الدلائل الإضافية على اختلاف الأولويات، قرار وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، التخلي عن قيادة مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية، وهو تحالف مؤقت يقدّم الدعم العسكري لأوكرانيا. كما غاب هيغسيث رمزياً عن حضور اجتماع المجموعة قبل القمة في يونيو.
الالتزامات الدفاعية والتركيز على آسيا
لطالما أصر ترامب على ضرورة وفاء أعضاء الناتو بالتزامهم لعام 2014 بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وقد أقر روته بذلك. وفي عام 2018، اقترح ترامب زيادة هذه النسبة إلى 4 أو 5%، لكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض آنذاك. أما الآن، وفي قرار يشير إلى تزايد القلق بشأن روسيا كتهديد ودعم الولايات المتحدة لها، فقد وافق أعضاء الناتو (باستثناء إسبانيا) على زيادة الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع خلال السنوات العشر القادمة.
تُلزم المادة الثالثة من حلف الناتو الدول بالحفاظ على قدرتها على مقاومة الهجوم وتطويرها. ومع ذلك، أصبح من الواضح منذ عام 2022 أن العديد من أعضاء الناتو غير مستعدين لأي اشتباك عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، يزداد شعورهم بأن روسيا تشكل تهديداً متزايداً على حدودهم، مما دفع دول البلطيق وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بشكل خاص، للاعتراف بضرورة زيادة إنفاقها العسكري واستعدادها.
لكي تركز الولايات المتحدة بشكل أكبر على الصين، ستُنقل نسبة أكبر من قواتها البحرية إلى المحيط الهادئ. كما ستخصص سفنها وطائراتها الجديدة الأكثر كفاءة للمنطقة، وتزيد من عمليات الوجود العام، والتدريبات، والمشاركة مع القوات البحرية الحليفة في غرب المحيط الهادئ. ولتحقيق ذلك، ستحتاج القوات الأمريكية إلى تقليص التزاماتها في أوروبا، مما يفرض على الحلفاء الأوروبيين استبدال تلك القدرات للحفاظ على قوة الردع ضد روسيا.
المادة الخامسة: حجر الأساس المهتز؟
تُعرف المادة الخامسة، وهي حجر الأساس في معاهدة الناتو، بعبارة: “الهجوم على أحدها هو هجوم على الجميع”. وفي طريقه إلى قمة لاهاي، بدا ترامب غير متأكد من التزام الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو. وعندما طُلب منه توضيح ذلك في القمة، قال: “أنا متمسك بها [المادة 5]. لهذا السبب أنا هنا. لو لم أكن متمسكاً بها، لما كنت هنا”.
لقد أشار اللورد إسماي، أول أمين عام لحلف الناتو، بشكل مشهور إلى أن هدف التحالف هو “إبعاد الروس، وإبقاء الأمريكيين في الداخل، وإبقاء الألمان تحت السيطرة”. ألمانيا الآن جزء لا يتجزأ من الناتو، والأمريكيون في الداخل وإن كانوا مشتتين. لكن هناك بعض التصدعات، وسيكون روته مشغولاً للغاية بإدارة تراجع اهتمام ترامب بحماية أوروبا إذا أراد إبقاء الروس بعيداً.
المقالات المترجمة تعبر عن رأي كاتبيها وليس عن رأي الموقع


