حدود صداقة روسيا: كيف تنظر موسكو إلى الأزمة الإيرانية
بقلم: ألكسندر بالمر وصوفيا سيزونينكو
ترجمة: بوليتكال كيز
المصدر: CSIS
لم تكن روسيا يومًا حليفًا مثاليًا لإيران. فخلال إحدى أخطر الأزمات في تاريخ طهران، لم تقدم موسكو سوى الدعم الخطابي، وهو ما يذكرنا بأن ما يُسمى “محور الاضطرابات” لم يكن يومًا تهديدًا موحدًا كما يصوره البعض. في الواقع، تسعى موسكو إلى الموازنة بين شراكتها مع إيران ومصالحها طويلة الأمد في الشرق الأوسط، ويبدو أن هذه المصالح هي التي تنتصر دائمًا.
مصالح روسيا التقليدية في المقدمة
على الرغم من أن روسيا وإيران تتشاركان في معارضة النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، إلا أن موقف الكرملين من الأزمة الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة يعكس مصالح تقليدية راسخة. تتمثل هذه المصالح في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وموازنة العلاقات مع خصوم إيران العرب، وانتقاد تصرفات الولايات المتحدة، وتأكيد مكانتها كقوة عظمى.
تتوافق هذه المصالح أحيانًا مع مصالح إيران، ولكنها لا تشير أبدًا إلى أن دعم طهران قد ضمن التزام موسكو الكامل بالدفاع عن إيران. حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي أدى إلى عصر جديد من التعاون الدفاعي بين البلدين، بما في ذلك توريد إيران للطائرات المسيرة والصواريخ لروسيا ودعم روسيا لبرامج الفضاء والصواريخ الإيرانية، فإن هذا التعاون لم يترجم إلى دعم عسكري مباشر عندما احتاجت إيران إليه.
شراكة استراتيجية بلا التزام عسكري
معاهدة الشراكة الاستراتيجية لمدة 20 عامًا التي وقعتها إيران وروسيا في أوائل عام 2025، والتي وعدت بتعزيز التعاون الدفاعي، تضمنت بندًا يلزم كلا البلدين “بمواجهة تطبيق التدابير القسرية الأحادية الجانب”. ومع ذلك، سارع المسؤولون الروس إلى التأكيد على أن هذه المعاهدة لا تشكل تحالفًا عسكريًا وأن روسيا ليست ملزمة بتقديم مساعدة عسكرية لإيران في حال وقوع هجوم عليها.
ظهر هذا التخلف عن الالتزام بوضوح خلال الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في يونيو/حزيران الماضي. فبينما أفادت رويترز، نقلًا عن مصادر إيرانية، أن طهران طلبت مساعدة ملموسة من موسكو، نفى المسؤولون الروس والإيرانيون ذلك. وأكد الكرملين استعداده لتقديم “دعم إنساني” وعرض العمل مع إيران على تحسين دفاعاتها الجوية، لكنه لم يلق “اهتمامًا كبيرًا”. في جوهر الأمر، كان الدعم الروسي لإيران خطابيًا في المقام الأول.
خطاب موسكو يكشف الأولويات
يشير تحليل الخطاب الروسي إلى أن إيران تلعب دورًا أقل محورية في تفكير روسيا بشأن الشرق الأوسط مما قد يأمله المسؤولون في طهران. فروسيا تركز على:
• الاستقرار الإقليمي: تدعو التصريحات الروسية باستمرار إلى تجنب التصعيد والعودة إلى العملية الدبلوماسية، مع التأكيد على أهمية الوقف الفوري للأعمال العدائية ومنع المزيد من التوسع الجغرافي. هذا يؤكد سعي روسيا للحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج التي تخشى إيران.
• تقويض الروايات الأمريكية: تستغل روسيا صراع الشرق الأوسط لتقويض ادعاءات الولايات المتحدة بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتصويرها كمعتدية. يؤكد فلاديمير بوتين أن الصراع ينبع من محاولات الدول الغربية “منع إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب عادل”.
• تعزيز مكانتها كقوة عظمى: تؤكد موسكو على استعدادها لتقديم خدمات الوساطة لمنع المزيد من التصعيد، مشددة على أنه “بدون مشاركة روسيا، سيكون من الصعب على الأمريكيين تحقيق التوازن بين جميع مواقف الأطراف السياسية في المنطقة”.
حدود الدعم الروسي وأسبابه
بالطبع، لدى روسيا أسباب أخرى للحد من دعمها لإيران. فالحرب في أوكرانيا قد فرضت أعباء هائلة على القدرات العسكرية الروسية، مما قلل من قدرتها على إرسال دعم كبير إلى إيران. بالإضافة إلى ذلك، قد يرى الكرملين فوائد في تقليل المواجهات مع الولايات المتحدة، خاصة إذا كانت إدارة الرئيس ترامب تميل إلى تقليص الدعم لأوكرانيا، وهو ما يخدم مصالح روسيا.
تؤكد هذه المصالح أن صداقة موسكو مع إيران ليست “بلا حدود”. فمن المرجح أن تواصل روسيا سياساتها الراسخة في الشرق الأوسط، والتي تتضمن نهجًا قائمًا على عدم التدخل لحماية دول مثل إيران من العقوبات والتهديدات. هذا يعني أن روسيا قد لا تعرقل اتفاقًا نوويًا جديدًا، وقد تكون إيران مستعدة لتقليص دعمها لحرب روسيا في أوكرانيا إذا اعتقدت أن مساعداتها لموسكو لم تُقابل بالمثل.
على الرغم من تصريحات الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف المثيرة للقلق حول نقل أسلحة نووية إلى إيران، فمن غير المرجح أن تشير هذه التصريحات إلى تحول في السياسة الرسمية، فالبرنامج النووي الإيراني يشكل محركًا رئيسيًا لعدم الاستقرار الإقليمي ويهدد شركاء روسيا المحتملين الآخرين في المنطقة.
الولايات المتحدة ومستقبل العلاقة الروسية-الإيرانية
أكد رد روسيا على هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران على الرغبات الروسية التقليدية في استقرار الشرق الأوسط، وإقامة علاقات جيدة مع مجموعة متنوعة من اللاعبين الإقليميين، وإتاحة فرص لتشويه سمعة الولايات المتحدة، والقدرة على لعب دور القوة العظمى. تحدد هذه المصالح حدود التعاون بين روسيا وإيران.
وينبغي على الولايات المتحدة أن ترحب بأي توترات قد تنتج عن تجربة طهران الأخيرة مع تلك الحدود. فإذا حقق الرئيس بوتين أهدافه في أوكرانيا، سواء في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات، فقد يكون أكثر استعدادًا وقدرة على المخاطرة بمواجهة مع الرئيس ترامب من خلال زيادة الدعم العسكري لطهران، حيث تتداخل المصالح الروسية والإيرانية بشكل أكبر.



