أزمة بلوشستان: جذور التمرد وإخفاقات باكستان
بقلم: يونس صمد
المصدر: The Diplomat
ترجمة: بوليتكال كيز
تُعدّ بلوشستان، أكبر مقاطعات باكستان مساحةً، والتي تشكل 44% من إجمالي مساحة البلاد، مسرحًا لتمرد مستمر منذ عام 2006. يسكن هذه المقاطعة حوالي 14.8 مليون نسمة، منهم 5.9 مليون فقط من أصل بلوشي، بينما يشكل البشتون المجموعة السكانية الرئيسية الأخرى. ما بدأ كحركة مقاومة قبلية بسيطة تطور مؤخرًا إلى تمرد هائل ذي طموحات انفصالية، مدعومًا بحركة سياسية سلمية أوسع. وتُظهر التصعيدات الأخيرة مدى تنامي القدرات العملياتية للمتمردين، في حين تستمر الدولة الباكستانية في الاعتماد على ردود فعل عسكرية قاسية، وهو ما يزيد من نفور المجتمع البلوشي.
تجاوز الصلاحيات الفيدرالية: محفز التمرد الحديث
وفقًا للقوميين البلوش، تعود جذور الاضطرابات المعاصرة إلى تأسيس باكستان عام 1948، عندما ضُمت ولاية كلات قسرًا إلى الاتحاد رغم المقاومة المحلية. إلا أن التمرد الحالي قد حفزه قرار الرئيس آنذاك، الجنرال برويز مشرف، الأحادي الجانب ببناء ميناء جوادر. تجاوز هذا القرار الهياكل الدستورية، بما في ذلك الجمعية الوطنية، ومجلس المصالح المشتركة، وحكومة إقليم بلوشستان، على الرغم من المفاوضات الجارية التي كادت أن تُحقق توافقًا عبر لجنة بمجلس الشيوخ بقيادة السيناتور مشاهد حسين، الأمين العام لحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (Q) الحاكم آنذاك.
عارض أكبر بوغتي، وهو زعيم سياسي مخضرم وعضو في قبيلة بوغتي، وشغل مناصب رئيس وزراء وحاكم ووزير دولة اتحادي سابق، مشروع جوادر. تمثلت مخاوفه الرئيسية في التغيرات الديموغرافية المحتملة الناجمة عن الهجرة على مستوى البلاد، بالإضافة إلى عدم وجود ضمانات لاستفادة السكان المحليين من التنمية. اتسم تعامل مشرف مع الخلافات السياسية مع قادة بلوش بالترهيب، وعندما شنت قوات الأمن عمليات ضد الاحتجاجات المحيطة ببناء الميناء، تراجع بوغتي وأنصاره إلى الجبال، حيث قُتل على يد القوات العسكرية في أغسطس/آب 2006.
موت بوغتي: نقطة تحول في التمرد
حوّل مقتل أكبر بوغتي من متعاون سابق مع إسلام أباد إلى بطل وطني، وأعاد إحياء مطالب الاستقلال التي كانت خامدة إلى حد كبير منذ تقارب الجنرال ضياء الحق مع المنشقين البلوش في ثمانينيات القرن الماضي. أصبح موت بوغتي نقطة حشد للتمرد، وقد تزامن تصاعد عنف المتمردين في أغسطس/آب 2024 مع ذكرى وفاته، مما يدل على القوة الرمزية الدائمة لهذا الحدث وتأثيره المستمر على الصراع.
من الأهمية بمكان أن نفهم أن الحكومة المركزية تتعامل مع بلوشستان كمجرد مستودع للموارد. لقد تجاهلت الحكومة الفيدرالية مرارًا الأعراف الدستورية والقانونية لفرض إرادتها، سواء من خلال المراسيم الرئاسية في حالة ميناء جوادر أو الاستخدام الحالي لما يسمى “مرفق الاستثمار الخاص” لمنح امتيازات التعدين في مناطق مثل ريكو ديك وأماكن أخرى في بلوشستان. هذا النمط من التعامل يبقى متسقًا عبر جميع الإدارات. فعلى الرغم من أن المقاطعة تخضع لاستخراج الموارد، إلا أن السكان المحليين والحكومة الإقليمية لا يحصلون إلا على فوائد أو عوائد ضئيلة للغاية، بالرغم من أن التعدين واستخراج الطاقة مُصنَّفان دستوريًا كقطاع إقليمي وليس اتحاديًا. ونتيجةً لذلك، ينظر المتمردون البلوش إلى المستثمرين الصينيين وغيرهم من الأجانب كشركاء في نهب موارد المقاطعة، مما يزيد من تعقيد الصراع.


