استراتيجية بكين الثلاثية: نسج التنمية والدبلوماسية والتعددية
بقلم: غو بن
المصدر: The Diplomat
ترجمة: بوليتكال كيز
في تحول لافت وهادئ، غيّرت الصين استراتيجيتها في مجال التعاون الإنمائي الدولي. بعد أن كانت تركز بشكل شبه حصري على المساعدات الثنائية المباشرة، تتبنى بكين الآن نموذج التعاون الإنمائي الثلاثي. هذا النموذج التحولي يُمكّن الصين من الشراكة مع المانحين التقليديين، ممثلين بأعضاء لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD-DAC) ، والقوى الإقليمية، والمنظمات متعددة الأطراف، لتقديم المساعدات في دولة ثالثة. هذا التحول ليس مجرد تغيير تكتيكي، بل يخدم هدفين استراتيجيين أساسيين في ظل المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين:
أولًا: توطيد العلاقات مع القوى الإقليمية من خلال دمج أجندات التنمية مع النفوذ الاقتصادي.
ثانيًا: تعزيز صورة الصين كداعم للتعددية، وبالتالي إعادة تشكيل المؤسسات العالمية لصالحها.
من التردد إلى الاحتضان: تطور مقاربة بكين للتعاون الثلاثي
يُشير التعاون الثلاثي، الذي وُضع لأول مرة في خطة عمل بوينس آيرس للأمم المتحدة لعام 1978 (BAPA)، إلى شراكة تتعاون فيها دولتان ناميتان أو أكثر في مشاريع التنمية بدعم من دولة متقدمة أو منظمة متعددة الأطراف.
على الرغم من وجود المفهوم منذ فترة طويلة، كانت الصين مترددة في البداية في اعتماده. فبصفتها مقدم مساعدات ظهر حديثًا، أكدت بكين على هويتها كعضو في الجنوب العالمي، وميّزت مساعداتها عن الجهات المانحة الغربية من خلال الإصرار على عدم المشروطية وعدم التدخل، لتجنب تصورات “الاستعمار الجديد”.
وقد قيد عاملان مشاركة الصين المبكرة:
أولًا: رغبتها في طمأنة المستفيدين بأنها شريك مسالم.
وثانيًا: افتقارها للخبرة والقدرة المؤسسية في التعامل مع المساعدات متعددة الأطراف.
مع ذلك، بدأت الأمور تتغير. أشار الكتاب الأبيض للمساعدات الخارجية الصينية لعام 2011 بإيجاز إلى التعاون الثلاثي، وسلط الكتاب الأبيض لعام 2014 الضوء على مثال ملموس واحد فقط (مشروع إمدادات المياه بين الصين ونيوزيلندا وجزر كوك). لكن المشاريع التجريبية اللاحقة، مثل المشاريع الصينية البريطانية في ملاوي ومشروع الكسافا بين الصين والولايات المتحدة وتيمور الشرقية، أشارت إلى حدوث تغيير.
كان إنشاء الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي (CIDCA) في عام 2018 نقطة تحول حاسمة، حيث وفرت هيئة مركزية للمساعدات الخارجية، ممهدةً الطريق لتجارب أوسع. ومع وجود CIDCA والمشاريع التجريبية الجارية، خصص الكتاب الأبيض لعام 2021 قسمًا كاملًا “للتعاون الثلاثي”، متعهدًا “باستكشاف مناهج التعاون مع الأطراف الأخرى التي من شأنها أن تكمل نقاط قوة كل منها” وإعادة تأكيد نهج موجه نحو المستفيد. منذ ذلك الحين، تبنت الصين التعاون الثلاثي بشكل أكثر استباقية في الالتزامات الثنائية ومتعددة الأطراف، حتى إنها أطلقت منصات جديدة لتوجيه هذا التعاون. باختصار، تطورت بكين من حالة التناقض إلى تعزيز فعال للتعاون التنموي الثلاثي، لا سيما في ظل تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة.
الدافع الأول: تعزيز العلاقات الثنائية في عالم متغير
يُعزى أحد الدوافع الرئيسية لهذا التحول إلى رغبة الصين في تعزيز علاقاتها الثنائية مع القوى الأخرى في بيئة جيوسياسية متزايدة الغموض. في ظل تراجع الولايات المتحدة عن بعض أشكال التعاون التنموي، تُتيح المشاريع الثلاثية لبكين العمل مباشرةً مع الجهات المانحة الراسخة والقوى المتوسطة، مما يُسهم في بناء روابط عملية في الأوساط السياسية والدوائر الصناعية.
على عكس التعاون متعدد الأطراف التقليدي، يعمل التعاون الثلاثي ضمن مجموعة صغيرة ومركزة، مما يُسهل التفاعل المباشر وتبادل الخبرات. ومن خلال استهداف قضايا التنمية الأقل حساسية، مثل بناء القدرات والتدريب الفني، تجذب هذه المشاريع بسهولة القوى المتوسطة والصغيرة، التي غالبًا ما تتخذ موقفًا حذرًا خلال منافسة القوى العظمى.
على سبيل المثال، في يونيو 2025، اتفقت الصين وسنغافورة على إنشاء برنامج تدريبي لدول ثالثة، يضم مسؤولين من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وتيمور الشرقية، ضمن إطار “شراكة شاملة وعالية الجودة وموجهة نحو المستقبل”. من خلال هذا الاستثمار المشترك، تتمكن الصين من الوصول إلى شبكات سنغافورة، مع إظهار قدرتها على المساهمة بشكل جوهري إلى جانب قوة إقليمية مرموقة. وبالمثل، في الشهر نفسه، نظمت الصين أول قمة بين الصين وباكستان وبنغلاديش، واتفقت الأطراف على تطوير آلية ثلاثية الأطراف ليس فقط في مجال التجارة، بل أيضًا في مشاريع المناخ والبنية التحتية، مما يعزز دمج الدول المجاورة في بنيتها التنموية.
الدافع الثاني: إعادة تشكيل التعددية العالمية
من الدوافع الأخرى لبكين إعادة تشكيل النظام العالمي متعدد الأطراف، خاصة في ظل تراجع الثقة به. تُقدم الصين نفسها على أنها “الصديق الحقيقي للدول النامية”، مُقارنةً نهجها بما تُسميه “التعددية الزائفة” التي تقودها الولايات المتحدة. في منتدى بواو لعام 2022، حذّر الزعيم الصيني شي جين بينغ من سياسات التكتلات و”عقلية الحرب الباردة”، مُصرًّا على أن العالم لا يُمكنه تجنّب الانقسام إلا من خلال “التمسك بالتعددية الحقيقية”. وقد ردّد المسؤولون الصينيون هذه الرسالة في العديد من بيانات القمم، مثل انتقاد نائب الرئيس هان تشنغ في الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2023 “العقليات البالية في الحوكمة العالمية” والدعوة إلى “تعددية حقيقية”.
على الرغم من أن التعاون الثلاثي كان مُتصورًا في الأصل لسد الفجوة بين الشمال والجنوب، إلا أن الصين تُوجه هذا التعاون بشكل متزايد من خلال هيئات متعددة الأطراف مثل وكالات الأمم المتحدة والشبكات الإقليمية كـ “آسيان”.
تُعد القمة الأخيرة بين رابطة دول جنوب شرق آسيا والصين ومجلس التعاون الخليجي مثالًا جيدًا على كيفية استخدام الصين لروح التعاون الثلاثي لربط مختلف الشركاء الإقليميين، معتبرةً إياه “نموذجًا جديدًا” يجب أن يكون قدوة لدول الجنوب العالمي “لتوحيد وتعزيز حقوقها التنموية الجماعية”.
عندما تجلس الصين على طاولة واحدة مع شركاء مثل جنوب شرق آسيا ودول الخليج، فإنها تعيد صياغة “التعاون عبر الإقليمي” ضمن سياق تنموي أوسع.
علاوة على ذلك، وسّعت الصين بنيتها التحتية المؤسسية لدعم التعاون الثلاثي. تُقدم مبادرة التنمية العالمية (GDI)، التي أُطلقت عام 2021، إطارًا واسعًا يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ما يقرب من نصف الدفعة الأولى من مشاريع GDI التي أُعلن عنها عام 2022 تم تنفيذها من خلال وكالات الأمم المتحدة أو الهيئات الإقليمية مثل آسيان. كما يُظهر تأسيس مركز تعزيز التنمية العالمي وتحديث صندوق التنمية العالمي والتعاون فيما بين بلدان الجنوب عام 2022 التزام الصين بتعزيز التعاون الإنمائي في إطار التعاون الثلاثي من خلال شركاء متعددين أو منظمات دولية. باختصار، من خلال إطلاق مشاريع التنمية الثلاثية مع تحالف واسع ومن خلال مؤسسات متعددة الأطراف، تُسوّق الصين نفسها على أنها المناصر الحقيقي للتنمية الدولية، متحديةً بذلك ضمنيًا هيمنة الولايات المتحدة.
تحول استراتيجي يعيد تشكيل المشهد الدولي
يعكس تحول الصين من التشكك إلى الترويج النشط للتعاون الثلاثي استراتيجيتها العالمية المتطورة.
أولًا: يُعزز التعاون الثلاثي العلاقات الثنائية من خلال توفير شراكات مرنة تُركز على التنمية. كما يُمكّن الصين من التواصل مع دول يصعب إشراكها من خلال قنوات ثنائية بحتة أو من تعميق العلاقات بما يتجاوز الترابط الاقتصادي. كما يسمح للقوى المتوسطة والصغيرة العالقة بين الولايات المتحدة والصين بالتعاون مع الصين في قضايا أقل حساسية.
ثانيًا: يُرسخ التعاون الثلاثي مكانة الصين كداعم موثوق لنظام أكثر شمولًا وتعددية الأقطاب. الأهم من ذلك، أنه بفضل كل هذه الجهود، تتجنب الصين مصدر قلق أساسي لدى القوى الصغيرة والمتوسطة: خطر الانحياز إلى أحد الجانبين. من المحتمل أن يُعيد هذا النهج تشكيل حسابات التحوط الخاصة بهم، مما يُهيئ بيئة دبلوماسية أكثر ملاءمة للصين.
ومن المرجح أن تُوسّع بكين نطاق تعاونها الثلاثي إلى ما يتجاوز المساعدات الخارجية ليشمل أجندات تنموية أوسع. على سبيل المثال، في عام 2019، أصدرت اللجنة الوطنية للإصلاح التنموي (NDRC) المبادئ التوجيهية وحالات التعاون في أسواق الطرف الثالث، مشجعةً الشركات الصينية على الشراكة مع الشركات الأجنبية في مشاريع في دول ثالثة. ومن خلال دمج آليات السوق في التعاون الثلاثي، تجاوزت الصين التفاعل على مستوى الدولة، وأصبحت الآن تستفيد من الجهات الفاعلة في القطاع الخاص. بشكل عام، لم تتبنَّ بكين التعاون التنموي الثلاثي فحسب، بل تُواصل ابتكار تطبيقاته لخدمة أهدافها الاستراتيجية في المشهد الدولي المتغير.



