ضغوط دولية تعيد طرح توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا وسط انسداد سياسي متفاقم
عاد ملف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا إلى واجهة النقاش السياسي خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد أحاديث داخل أوساط سياسية وبرلمانية عن مبادرات جديدة لإعادة إحياء مسار التوافق، في ظل حالة انسداد مؤسسي وتآكل شرعية الأجسام القائمة. ويأتي هذا الحراك في سياق ضغوط دولية متزايدة تدفع باتجاه إنتاج حكومة موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية والتحضير لمسار انتخابي قابل للتنفيذ، بعد فشل محاولات سابقة اصطدمت بتضارب المصالح الداخلية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذه النقاشات تشمل شخصيات من مجلسي النواب والدولة، إضافة إلى أطراف سياسية فاعلة في الغرب والشرق، مع طرح صيغ مرنة لا تقوم على إسقاط كامل للهياكل القائمة، بقدر ما تسعى إلى إعادة ترتيبها ضمن تفاهمات مرحلية. ويُلاحظ أن الطرح الحالي يتجنب العناوين الصدامية، ويركز على مقاربة “التوافق الممكن” بدل الحلول الجذرية التي ثبت تعثرها في تجارب سابقة.
بالتوازي، برزت مؤشرات على تحركات هادئة تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لإعادة تنشيط الحوار الليبي بعد فترة من الجمود، حيث جرى، بحسب مصادر مطلعة، التواصل مع أطراف محلية متعددة لاستطلاع المواقف وتهيئة الأرضية لجولة مشاورات جديدة. ولم يُعلن عن هذه الاتصالات رسميًا، في ما يعكس حذرًا أمميًا من الإعلان المبكر عن مسارات قد تتعرض للتعطيل أو الرفض العلني.
وتتحدث تسريبات محدودة عن تنسيق أممي مع عواصم مؤثرة في الملف الليبي، من بينها واشنطن وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى تواصل سياسي غير مباشر مع مصر وتركيا بوصفهما فاعلين إقليميين رئيسيين، بهدف ضمان حد أدنى من التفاهم الدولي حول أي مسار سياسي محتمل، وتفادي تضارب الرعايات الخارجية الذي أسهم سابقًا في إفشال المبادرات.
وتشير التقديرات إلى أن التحركات الحالية لا تستهدف فرض حل سريع، بقدر ما تسعى إلى اختبار استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات محدودة، في ظل إدراك دولي بأن استمرار الانقسام التنفيذي يعمّق الأزمة الاقتصادية ويُبقي البلاد رهينة التوازنات الهشة بين القوى المحلية. كما يُفهم أن البعثة الأممية تحاول إعادة التموضع كمنسق للحوار بدل راعٍ مباشر لخطط جاهزة.
ويعكس هذا الحراك السياسي المتجدد قناعة متزايدة بأن حالة الجمود لم تعد قابلة للاستدامة، لا داخليًا ولا دوليًا، وأن أي تأخير إضافي في معالجة أزمة السلطة التنفيذية سيزيد من تعقيد المشهد ويُضعف فرص الوصول إلى تسوية شاملة. ومع ذلك، تبقى فرص نجاح هذه التحركات مرهونة بمدى قدرة الأطراف الليبية على ترجمة النقاشات إلى تفاهمات عملية، بعيدًا عن منطق كسب الوقت وإعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة.
دلالات المشهد السياسي ومساراته المحتملة
تعكس عودة النقاش حول توحيد السلطة التنفيذية شعورًا متزايدًا داخل النخب الليبية بأن الانقسام بلغ سقفه الوظيفي، ولم يعد قادرًا على إنتاج مكاسب سياسية أو مالية مستدامة لأي طرف. وفي هذا السياق، تبدو الضغوط الدولية أكثر براغماتية من السابق، إذ تركز على إنتاج “حكومة قابلة للعمل” بدل السعي إلى نموذج مثالي يصعب فرضه في بيئة سياسية منقسمة.
الطرح المتداول، الذي يتجنب فكرة الإطاحة الشاملة بالأجسام القائمة، يشير إلى محاولة تدوير الأزمة بدل كسرها، تفاديًا لردود فعل أمنية أو تعطيل مؤسسي مفاجئ. كما تعكس التحركات الهادئة للبعثة الأممية مراجعة لدورها السابق، بعد تحميلها مسؤولية فشل مسارات فرضت جداول زمنية غير واقعية وغير متوافق عليها.
ويكشف التنسيق غير المعلن مع قوى إقليمية ودولية فاعلة، بما فيها مصر وتركيا، إدراكًا أمميًا بأن تجاهل مراكز النفوذ الحقيقي على الأرض يُفرغ أي مبادرة من مضمونها التنفيذي. كما يرتبط هذا الحراك بتدهور الوضع الاقتصادي، حيث بات الانقسام التنفيذي عبئًا مباشرًا على إدارة الموارد والخدمات، ما يرفع منسوب القلق الشعبي والدولي معًا.
في المحصلة، يوحي المشهد بأن ليبيا دخلت مرحلة إدارة الأزمة السياسية أكثر من السعي إلى حلّها، حيث يتمحور الهدف المرحلي حول تقليل الخسائر ومنع الانفجار، لا إنتاج تسوية تاريخية شاملة. وتبقى فرص النجاح محدودة ما لم تُربط أي صيغة حكومية جديدة بآليات ضبط واضحة تمنع إعادة إنتاج الانقسام تحت مسميات مختلفة.




