تنامي التعاون وشبكات الإمداد بين الحوثيين وتنظيمات القاعدة
تشير المعطيات إلى تطور تعاون عملياتي بين جماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP) وحركة الشباب (al-Shabaab)، ضمن نمط تبادل مصالح يشمل السلاح، التدريب، والتكنولوجيا مقابل التمويل وشبكات التهريب.
هذا التعاون يتجاوز التباينات الأيديولوجية، ويأتي في سياق توسع النشاط المدعوم من الحرس الثوري الإيراني (IRGC) عبر وكلائه الإقليميين.
تطور العلاقة بين الحوثيين والقاعدة
بدأت العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بطابع عدائي، لكنها شهدت تحولاً تدريجياً نحو البراغماتية، حيث تم تنفيذ أربع عمليات تبادل أسرى بين عامي 2017 و2021، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء في 12 فبراير 2022 وفق بيانات ACLED.
بعد هذا الاتفاق، تطورت العلاقة لتشمل بيع الحوثيين أسلحة خفيفة، وتقديم تدريب على الطائرات المسيّرة، وتوفير مكونات تصنيع هذه الطائرات، مقابل حصولهم على خدمات تهريب ودعم لوجستي وربما تبادل معلومات استخباراتية.
في عام 2023، نفذ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أولى هجماته باستخدام طائرات مسيّرة، مع مؤشرات على أن المكونات المستخدمة تم الحصول عليها من الحوثيين.
كما أشار تقرير أممي بتاريخ 4 فبراير إلى عرض حوثي بقيمة 65,000 دولار لتنفيذ عملية لصالحهم، ما يعكس مستوى تنسيق عملياتي مباشر.
العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب
توسعت هذه العلاقة عبر ربط الحوثيين بحركة الشباب في الصومال، حيث لعب تنظيم القاعدة دور الوسيط في هذا التواصل.
وأكدت تقارير استخباراتية أمريكية وجود لقاءات بين الحوثيين وحركة الشباب وفق CNN بتاريخ 11 يونيو 2024.
وتُظهر المعطيات أن حركة الشباب توفر شبكة تهريب بحرية تمتد على طول السواحل الصومالية، مستفيدة من سيطرتها على الموانئ وارتباطها بشبكات قرصنة بحرية، ما يمنحها قدرة لوجستية عالية لنقل الأسلحة والبضائع عبر خليج عدن.
تعتمد شبكات التهريب على مسار يبدأ من سفن إيرانية قبالة السواحل الصومالية، حيث يتم نقل الشحنات إلى قوارب خشبية تقليدية (dhows)، ثم إلى موانئ مثل “قندلة، داردلة، العلا، راس الموج، راس عسير، وخورا” قبل إعادة شحنها إلى اليمن، خاصة إلى محافظات شبوة، حضرموت، والمهرة، ومن ثم تهريبها إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
هذه الشبكة مكّنت الحوثيين من تجاوز آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) المفروضة على موانئهم.
في المقابل، يقوم الحوثيون بتزويد حركة الشباب بالأسلحة الخفيفة (SALW)، وقطع الطائرات المسيّرة، ومعدات تصنيع الأسلحة، بينما توفر الحركة مسارات تهريب للإمدادات الإيرانية، ما يخلق دائرة تبادل مستمرة تخدم الطرفين.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى إرسال خبراء حوثيين إلى الصومال لتدريب عناصر حركة الشباب على تشغيل الطائرات المسيّرة وتصنيع العبوات الناسفة (IEDs)، إضافة إلى نقل نحو 400 عنصر صومالي إلى اليمن لتلقي تدريبات عقائدية وتكتيكية ولوجستية.
تشير المعطيات أيضاً إلى أن هذا النموذج من التعاون يفتح المجال أمام انتقال التكنولوجيا العسكرية من شبكات مرتبطة بإيران إلى تنظيمات جهادية عابرة للحدود، ما يرفع من مستوى التهديد، خاصة في ظل انخفاض كلفة هذه التقنيات مقارنة بعمليات التقليدية.
الدلالات
العلاقة بين الحوثيين وتنظيمي القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب في الصومال تمثل نموذجاً واضحاً للتحول البراغماتي الذي يسيطر على الجماعات المسلحة في المنطقة، فما كان يُعتبر مستحيلاً قبل سنوات قليلة بسبب التناقض الأيديولوجي الشديد بين المذهب الزيدي والجهادية السنية، أصبح اليوم واقعاً عملياً مبنياً على تبادل المصالح.
الحوثيون يحتاجون إلى شبكات تهريب فعالة لتجاوز الرقابة الدولية، بينما تحتاج الجماعتان السنيتان إلى أسلحة وتقنيات حديثة (خاصة الطائرات المسيرة) لتعزيز قدراتهما.
هذا التبادل أنتج دائرة مستمرة من المصالح المتبادلة، حيث يصبح كل طرف قادراً على تقديم ما ينقص الآخر.
الدوافع هنا ليست عقائدية، بل بقاء وتوسع، الحوثيون يستفيدون من المسارات البحرية الصومالية لتأمين إمداداتهم، والجماعات الجهادية تستفيد من الخبرة الحوثية في تصنيع وتشغيل الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة.
هذه البراغماتية تسمح للطرفين بتجاوز خلافاتهم التاريخية لصالح هدف مشترك: “البقاء والقدرة على الاستمرار في مواجهة الضغوط الدولية”.
الأخطر في هذا التطور أنه يفتح قنوات انتقال التكنولوجيا العسكرية بين أطراف كانت منفصلة تماماً، فما كان محصوراً في دائرة إيرانية أصبح متاحاً لجماعات جهادية، مما يرفع مستوى التهديد في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، ويجعل أي محاولة لاحتواء هذه الجماعات أكثر تعقيداً-وربما نشهد ما يشبه التحالف بين هذه الجماعات في الأيام القادمة-.
في النهاية، هذا التعاون يحكي عن مرحلة جديدة في الصراعات الإقليمية: مرحلة يصبح فيها البقاء والمصلحة العملية أقوى من الولاء الأيديولوجي، وفيها تتحول الجماعات المسلحة إلى شبكات مرنة تعيد تشكيل تحالفاتها باستمرار حسب الضغوط والفرص.




