شؤون تحليلية دولية

تراجع الحضور الفرنسي في معرض الرياض الدفاعي مع صعود بريطاني–تركي وتحول العقيدة العسكرية السعودية

تشارك نحو 60 شركة دفاعية فرنسية في معرض World Defence Show المقام في الرياض خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير، وسط أجواء يغلب عليها التشاؤم داخل الوفد الفرنسي، في ظل محدودية فرص الفوز بعقود استراتيجية مع المملكة. هذا الانطباع نقله السفير الفرنسي في الرياض باتريك ميزوناف للمشاركين خلال اجتماع تحضيري عُقد في السفارة الفرنسية.

ويعكس هذا المزاج إدراك باريس لتراجع نفوذها داخل السوق الدفاعي السعودي، مقابل صعود الشراكات البريطانية–الأميركية والتركية، في مرحلة تعيد فيها الرياض صياغة عقيدتها الصناعية العسكرية على أسس جديدة تقوم على التوطين، والمشاريع المشتركة، ونقل التكنولوجيا.

ورغم إقالة نائب وزير الدفاع السابق طلال بن عبد الله العتيبي في أغسطس 2025، والذي كان يمثل قناة النفاذ الرئيسية لشركة BAE Systems البريطانية، فإن هذا التطور لم يفتح المجال أمام شركة داسو للطيران لترويج مقاتلات “رافال”. وتشير معطيات داخل الأوساط الفرنسية إلى احتمال توقيع عقد حكومي مباشر (G2G) بين لندن والرياض على هامش المعرض، قد يشمل مقاتلات “تايفون” أو إدخال السعودية في برنامج المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس GCAP.

في المقابل، تحاول باريس تثبيت موطئ قدم محدود عبر المسار البحري. إذ تركز هيئة المشتريات الدفاعية الفرنسية (DGA) جهودها منذ سنوات على تسويق منتجات Naval Group، ولا سيما فرقاطات الدفاع والتدخل (FDI)، بعد خسارتها صفقة سابقة لصالح الشركة الإسبانية Navantia.

كما تسعى شركة Exail، الناتجة عن دمج ECA Group وiXblue عام 2022، إلى تسويق طائراتها البحرية المسيّرة من طراز DriX، بعد نجاحها في بيع نماذج مماثلة لقطر، إضافة إلى عقود بقيمة 40 مليون يورو لتوريد أنظمة K-STER لإزالة الألغام لصالح بحريات لم يُكشف عنها. وفي السياق ذاته، تعمل شركة Défense Conseil International (DCI) التابعة لمجموعة ADIT على إنشاء مركز تدريب للبحرية السعودية، تأمل باريس أن يشكّل مدخلًا لعقود لاحقة.

غير أن التحول الأعمق يتمثل في تغيّر قواعد اللعبة داخل المملكة. فقد شدد ميزوناف على أن “زمن الوسطاء المحليين انتهى”، في إشارة إلى تشدد الرياض في مكافحة الفساد وإعادة هيكلة منظومة التعاقدات العسكرية.

وتدفع السعودية اليوم باتجاه بناء صناعة دفاعية سيادية عبر كيانات محلية، من بينها شركة Sofon البحرية التي دخلت في شراكة مع مجموعة ST Engineering السنغافورية، فيما أعلنت شركة ARES التركية إنشاء عمليات داخل المملكة لتعزيز فرصها التنافسية. وتُقرأ هذه التحركات في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص الاعتماد على الموردين الأوروبيين التقليديين.

وتُظهر المؤشرات أن الشركات الفرنسية باتت أقل مواءمة لمتطلبات السوق السعودي، لا سيما مع تقليص الميزانيات الدفاعية نسبيًا وتعاظم التعاون العسكري السعودي–الأميركي. وفي قطاع الطائرات المسيّرة، حسمت شركة Baykar التركية صفقة كبرى بقيمة 3 مليارات دولار عام 2023 لتوريد طائرات Akinci، مدعومة بحزم تعويض صناعي واسعة، وهو ما تتحفظ عليه غالبية الشركات الفرنسية خشية تسريب خبراتها التقنية.

ومع ذلك، تبقى فرص محدودة أمام لاعبين فرنسيين صغار في مجال مكافحة المسيّرات مثل MC2 Technologies وCerbair، إضافة إلى احتمالات تعاون في مجال مراقبة الحدود لصالح Airbus وThales، خصوصًا في ظل استمرار التهديدات القادمة من الجبهة اليمنية.

في المحصلة، يظهر أن الرياض لم تعد تبحث عن شراء السلاح بحد ذاته، بل عن شراكات تصنيع ونقل معرفة، ما أضعف الميزة التنافسية الفرنسية. وفي المقابل، تقدمت بريطانيا وتركيا بوضوح عبر عروض تتضمن نقل تكنولوجيا وتعويضًا صناعيًا، ليبقى الرهان الفرنسي محصورًا في القطاع البحري والطائرات المسيّرة، دون تحقيق اختراق استراتيجي واسع داخل السوق الدفاعي السعودي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى