شؤون تحليلية عربية

القاهرة والخرطوم تعيدان تنسيق المواقف حول سد النهضة بدفع أمريكي وتسريع مشاريع الربط الكهربائي

شهدت القاهرة الأسبوع الماضي لقاءً بين وزيري خارجية السودان ومصر، محـي الدين سالم وبدر عبد العاطي، ركّز على إعادة تفعيل التنسيق السياسي والأمني بين البلدين، في ظل تعقيدات ملف سد النهضة الإثيوبي، وتطورات الحرب الداخلية في السودان، والتحرك الأمريكي لإعادة إدخال واشنطن كوسيط مباشر في أزمة مياه النيل.

دعوة أمريكية

وجاء الاجتماع على خلفية رسالة وجّهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 يناير إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم بشأن تقاسم مياه النيل وسد النهضة.

وقد عبّر الطرفان المصري والسوداني عن اهتمام مشترك بالمبادرة الأمريكية، واتفقا على توحيد الموقف في مواجهة ما وصفاه بالتحركات الإثيوبية الأحادية.

السياق

وتأتي هذه الخطوة بعد تعثر المفاوضات الثلاثية منذ انسحاب مصر منها في ديسمبر 2023، وتصاعد التوتر عقب افتتاح إثيوبيا الرسمي للسد في سبتمبر 2025، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي، فيما باتت الخرطوم تنظر إلى السد من زاوية أمنية أوسع مرتبطة بالاستقرار الداخلي.

ويمثل هذا التقارب تحوّلًا ملحوظًا في موقف السلطات السودانية الحالية، التي ابتعدت عن سياسة حكومة عبد الله حمدوك السابقة (2019–2022) الأقرب إلى أديس أبابا، لتصطف اليوم بشكل أوضح إلى جانب القاهرة، باعتبارها حليفًا استراتيجيًا في مواجهة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في الحرب المستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات.

وبحسب مصادر دبلوماسية، ترى الخرطوم في القاهرة داعمًا سياسيًا وعسكريًا محوريًا بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة في مارس 2025، بينما ترى مصر في السودان عمقًا استراتيجيًا جنوبيًا في أي معادلة تخص أمن النيل.

المشاريع المصرية داخل السودان

كما ناقش الوزيران تسريع المشاريع المصرية داخل السودان، وعلى رأسها مشروع الربط الكهربائي توشكى 2 – وادي حلفا، الذي يهدف إلى ضخ نحو 300 ميغاواط من فائض إنتاج محطة توشكى المصرية إلى الشبكة السودانية، بما يعزز اعتماد الخرطوم على البنية التحتية المصرية في مرحلة إعادة الإعمار.

وفي ملف إعادة بناء الخرطوم، ورغم تراجع فرص الشركات المصرية الكبرى مثل المقاولون العرب للإشراف على إعادة تأهيل جسري الحلفايا وشمبات لصالح شركات سودانية، لا تزال القاهرة حاضرة بقوة في دعم قطاعات الصحة والخدمات، إلى جانب التحضير لإعادة افتتاح ميناء وادي حلفا النهري أواخر فبراير أو مطلع مارس، بعد إغلاق دام ست سنوات، بهدف تسهيل عودة اللاجئين وتعزيز حركة التجارة.

ويُنظر إلى إعادة تشغيل الميناء كخطوة لوجستية وأمنية مهمة لإعادة ربط شمال السودان بمصر، في وقت لم يعد فيه سوى أقل من ثلث اللاجئين السودانيين البالغ عددهم 1.5 مليون في مصر.

تحركات آبي أحمد

في المقابل، تُراقَب تحركات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يُرجّح أن يتجاوب تكتيكيًا مع المبادرة الأمريكية سعيًا لاستعادة شرعية دولية متآكلة بفعل النزاعات في أوروميا وأمهرة وتيغراي، واقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو، رغم أن أي اتفاق نهائي سيبقى مرهونًا بمظلة الاتحاد الأفريقي، الذي لا تزال عضوية السودان فيه معلّقة منذ انقلاب أكتوبر 2021.

الدلالات

الخرطوم انتقلت عمليًا من الحياد إلى الاصطفاف مع القاهرة في ملف سد النهضة مقابل دعم مصري في الحرب ضد الدعم السريع.

عودة واشنطن للوساطة تعكس رغبة أمريكية في إعادة الإمساك بملف النيل كأداة نفوذ إقليمي.

مشروع الربط الكهربائي يؤسس لاعتماد بنيوي سوداني على مصر في مرحلة ما بعد الحرب.

القاهرة تسعى لتحويل مكاسبها العسكرية غير المباشرة في السودان إلى نفوذ اقتصادي ولوجستي دائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى