شؤون تحليلية عربية

في ظل جمود سياسي وأزمة اقتصادية.. استئناف المفاوضات بين الكتل الرئيسية في البرلمان العراقي

شهدت الساحة السياسية العراقية في الأسبوع الأخير، تطورات حاسمة تتعلق بتشكيل التحالفات الحكومية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية وأمنية مستمرة.

بعد الانتخابات الأخيرة في 2021، التي أسفرت عن نتائج متباينة ولم تمنح أي كتلة أغلبية واضحة، استمر التنافس بين الأحزاب السياسية الكبرى لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي وتلبية مطالب الشعب.

وعلى الرغم من مضي أكثر من عام على الانتخابات البرلمانية، لا يزال العراق يعاني من حالة من الجمود السياسي بسبب خلافات حادة بين القوى السياسية.

استئناف المفاوضات

في الأسبوع الماضي، استؤنفت المفاوضات بين الكتل الرئيسية، وكان محور النقاش هو تشكيل تحالفات سياسية جديدة تهدف إلى تشكيل حكومة تضم القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية.

التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر يسعى لاستغلال فرص تشكيل حكومة تكون أكثر توافقًا مع توجهات جمهور الصدر، وقد ظهر مؤخرًا دعم من التيار لمزيد من التعديلات الحكومية.

في المقابل، حزب الدعوة والفصائل الشيعية الأخرى، بما في ذلك الحشد الشعبي، يبذلون جهودًا للحصول على نصيب أكبر في الحكومة المقبلة، أما المفاوضات الكردية-العربية فقد كانت جزءًا أساسيًا من الحوار، حيث يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني و الاتحاد الوطني الكردستاني إلى ضمان تمثيل قوي في الحكومة المركزية.

التفاهم بين القوى الكردية والعربية أمر بالغ الأهمية، خاصةً فيما يتعلق بتوزيع المناصب الحكومية، ومنها رئاسة الجمهورية و الوزارات.

الاحتجاجات الشعبية

أما الاحتجاجات الشعبية ضد تردي الخدمات العامة والفساد الحكومي كانت عامل ضغط قوي على الأحزاب السياسية لتقديم حلول ملموسة، والمظاهرات التي تجددت في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية دفعت بعض الأطراف السياسية لتعديل مواقفها والبحث عن تشكيل حكومة إصلاحية قادرة على التعامل مع الملفات الساخنة، من بينها البطالة والفقر.

جمود سياسي

يعاني العراق من حالة جمود سياسي مستمر منذ انتخابات 2021، حيث أظهرت النتائج تشرذمًا سياسيًا كبيرًا وغيابًا لأغلبية واضحة.

هذا التشرذم هو أحد التحديات الكبرى التي تواجه الطبقة السياسية، التي لا تستطيع تشكيل حكومة مستقرة دون التوصل إلى تحالفات معقدة بين القوى المختلفة، والتنافس داخل القوى الشيعية يؤثر بشكل كبير على تشكيل التحالفات، حيث تسعى كل مجموعة لتعزيز نفوذها داخل الحكومة القادمة، وهو ما يجعل العملية أكثر تعقيدًا.

القوى الكردية، التي تعتبر طرفًا أساسيًا في تشكيل الحكومة العراقية، تسعى لتأمين تمثيل قوي في الحكومة المركزية، خصوصًا فيما يتعلق بالوزارات السيادية والمناصب العليا مثل رئاسة الجمهورية.

ومن هنا تبرز المفاوضات الكردية-العربية كعامل أساسي في تشكيل الحكومة، إذ أن التفاهم بين الكتل الكردية و القوى السنية يمكن أن يكون له تأثير كبير في توازنات السلطة، والقوى السنية أيضًا تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الحكومة، مع الحرص على ضمان تمثيلها في الوزارات السيادية، لكن المعضلة تكمن في التوافق بين هذه القوى، حيث أن هناك تنوعًا في المواقف بين الأطراف السنية حول طريقة التعامل مع الحكومة المقبلة.

من جانب آخر، إن التوترات بين الفصائل المسلحة و التيار الصدري تضاف إلى الظروف الأمنية المعقدة في البلاد، والحرب ضد داعش لم تنتهِ بشكل كامل، وتبقى بعض المناطق مثل الأنبار و كركوك مرشحة لتصاعد المواجهات الأمنية.

هذا الوضع يتطلب من الحكومة المقبلة تسوية سياسية تضمن عدم استخدام الفصائل المسلحة كسلطة موازية للمؤسسات الحكومية، والاحتجاجات الشعبية في العراق أصبحت عاملاً ضاغطًا على الأحزاب السياسية، خاصةً مع تزايد المطالب الشعبية المتعلقة بتحسين الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه، إضافة إلى محاربة الفساد.

هذه الاحتجاجات التي نشأت في عام 2019 ولا تزال مستمرة في شكل متقطع، تعكس حالة من الاستياء العام من أداء الحكومات المتعاقبة.

في هذا السياق، هناك ضغوط على الأحزاب السياسية، خاصة تلك التي تتزعم الحكومة، من أجل تقديم حلول جذرية لمشاكل الفقر والبطالة، وهو ما يتطلب تشكيل حكومة قادرة على التعامل مع هذه الملفات بشكل فعّال.

أزمة اقتصادية خانقة

أما في الجانب الاقتصادي، فإن العراق يواجه أزمة اقتصادية خانقة في ظل انخفاض أسعار النفط، الذي يعد المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة. ومن ثم، فإن تشكيل الحكومة الجديدة يجب أن يتواكب مع خطط اقتصادية إصلاحية قادرة على استنهاض الاقتصاد الوطني.

لكن مع وجود الفساد المستشري في أغلب المؤسسات الحكومية، فإن تشكيل حكومة يمكن أن تضع حلولًا ناجعة لهذه القضايا هو أمر مستبعد دون إرادة سياسية حقيقية، ومن أبرز العوامل التي تؤثر في تشكيل الحكومة الجديدة هو الوضع الاقتصادي السيء، فالعراق يواجه عجزًا في الميزانية، و ارتفاعًا في معدلات البطالة، و تدهورًا في مستوى الخدمات العامة.

هذه القضايا تشكل جزءًا كبيرًا من مطالب الشارع العراقي، مما يضع الأحزاب السياسية أمام تحديات ضخمة في تقديم حلول قابلة للتطبيق، وإذا لم تتمكن الحكومة الجديدة من التعامل مع هذه القضايا بفعالية، فمن المحتمل أن تتصاعد الاحتجاجات بشكل أكبر، مما سيزيد من تعقيد الوضع السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى