غزة بعد وقف إطلاق النار: إعادة تموضع ميداني وسباق غير معلن على ترميم القوة
تكشف المعطيات الميدانية والأمنية المتوافرة عن تحولات لافتة في قطاع غزة، بعد نحو ثلاثة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، في مؤشر على أن مرحلة ما بعد القتال لم تتحول إلى استقرار فعلي. وتُظهر صور الأقمار الصناعية استمرار انتشار الجيش الإسرائيلي على طول ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي يتوغّل في بعض المناطق مئات الأمتار داخل مناطق تُعدّ رسميًا تحت سيطرة حركة حماس، مع تقديرات تشير إلى سيطرة إسرائيلية على نحو 54% من مساحة القطاع.
وتُظهر الصور ذاتها توسع بؤر الدمار في مناطق عدة، أبرزها جباليا والشجاعية، إلى جانب استمرار عمليات هدم مئات المباني، ولا سيما في محيط المستشفى الإندونيسي. وفي المقابل، يجري إنشاء مجمعات خيام جديدة لإيواء عشرات آلاف النازحين. كما أظهرت المعطيات إقامة 13 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا جديدًا منذ وقف إطلاق النار، من بينها مواقع مرتفعة في جباليا، أُنشئت عبر هدم مبانٍ وتجريف واسع لتهيئة نقاط إشراف ومراقبة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، نقلت حماس جزءًا من ورش إنتاج الأسلحة إلى منطقتي النصيرات ودير البلح، وهما من المناطق التي لم تتعرض مبانيها لدمار واسع مقارنة ببقية القطاع، ما يسهّل إخفاء منشآت تصنيع الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات. وتشير التقديرات إلى أن الحركة استأنفت عمليات التصنيع على نطاق واسع منذ نحو شهر.
في موازاة ذلك، يشتبه الجيش الإسرائيلي في استمرار عمليات تهريب مواد إلى داخل غزة عبر سيناء والنقب، باستخدام طائرات مسيّرة وشاحنات تحمل مواد ذات استخدام مزدوج، مع توقعات بتوسع هذه الأنشطة خلال المرحلة الثانية، تزامنًا مع بدء إدخال مواد مخصصة لإعادة الإعمار إلى القطاع.
وتُظهر هذه المعطيات أن حماس تستغل المناطق الأقل تضررًا في القطاع لإخفاء ورش الإنتاج وإعادة بناء قدراتها العسكرية، في مؤشر على استعدادها لجولة قتالية مستقبلية، مع الحرص في الوقت الراهن على تجنب أي استفزاز مباشر لإسرائيل. في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي تعزيز حضوره الميداني عبر إنشاء مواقع مرتفعة وتكثيف المراقبة، بما يضمن استمرار الضغط الميداني ويحد من من قدرة حماس على الحركة.
اللافت أن كلا الطرفين، إسرائيل وحماس، لا يثقان بالضغوط أو الضمانات السياسية الخارجية، بقدر ما يراهن كل منهما على قدراته الذاتية والاستعداد لسيناريوهات تصعيد محتملة. ويعكس هذا الواقع سباقًا غير معلن لإعادة ترتيب موازين القوة على الأرض، حيث تسعى حماس إلى الموازنة بين إعادة بناء قدراتها العسكرية وحماية مناطق نفوذها، فيما تحرص إسرائيل على منع أي إعادة انتشار للسلاح والإبقاء على زمام المبادرة والسيطرة في مناطق مفصلية ومهمة داخل القطاع.




