وسط صراعات عشائرية وتحقيقات دولية.. المستثمرون الهنود يندفعون نحو ذهب القرن الإفريقي
يشهد قطاع التعدين في أرض الصومال تحوّلًا لافتًا مع دخول مجموعات صناعية هندية كبرى إلى سوق الذهب المحلي، مستفيدة من نظام ضريبي ميسّر، وغياب الاعتراف الدولي بالإقليم، وتعقيدات التهريب عبر دول شرق أفريقيا.
وقد دفعت هذه التطورات الولاية غير المعترف بها إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي الإقليمي، وسط بيئة معقدة من الصراعات العشائرية والتجاذبات السياسية والسباق للسيطرة على الموارد.
افتتاح أكبر مصفاة ذهب في أرض الصومال
أعاد افتتاح أكبر مصفاة ذهب في أرض الصومال منتصف أغسطس 2025 تسليط الضوء على قطاع عاش نموًا هادئًا طوال العقد الماضي، قبل أن يتحول فجأة إلى نقطة جذب رئيسية للمستثمرين الهنود.
فقد باتت الولاية الواقعة في القرن الأفريقي، والتي تعيش خارج الاعتراف الدولي وتعمل في مساحة رمادية اقتصاديًا وقانونيًا، وجهةً جديدة لرجال الأعمال الهنود الذين يرون فيها منفذًا استراتيجيًا للذهب الشرق أفريقي، خصوصًا مع تعقّد طرق التصدير التقليدية في السودان وإثيوبيا.
شركة Xidid Madow Mining تمثل النموذج الأبرز لهذا التمدد. فقد تلقت استثمارًا قدره 50 مليون دولار لإنشاء مصفاة الذهب في منطقة سناج، وهي منطقة غنية بالمعادن لكنها أيضًا بؤرة صراع قبلي وجغرافي معقد. الشركة، المسجلة رسميًا في أرض الصومال، مملوكة بأغلبية لمستثمرين من نيودلهي، ويقودها رجال الأعمال ماهيردرا جوينكا وبراشانت سينغ إلى جانب الشريك المحلي عبد الكريم ميكاد، البرلماني الصومالي المنتمي إلى عشيرة حبر يونس، وهي العشيرة ذاتها للرئيس إيرو.
هذا الارتباط العشائري – السياسي يضمن للشركة نفوذًا محليًا ضروريًا للعمل في بيئة شديدة الحساسية.
تهديدات أمنية
تكتسب هذه الشراكات قيمة أكبر حين تلوح التهديدات الأمنية في الأفق، فقد لعب الشريك الراحل أحمد أديب، وهو قائد ميليشيا محلية، دورًا رئيسيًا في تأمين مواقع التعدين في سناج قبل أن يُعلن عن وفاته في سبتمبر في ظروف غامضة.
ويعكس هذا الحادث الهشاشة الأمنية التي تعيشها المنطقة حيث تتقاطع صراعات العشائر مع النزاع بين أرض الصومال وبونتلاند وولاية الشمال الشرقي، التي اعترفت بها مقديشو رسميًا كولاية فيدرالية سادسة.
شركة Paliso Metaliks
تبرز شركة Paliso Metaliks، التابعة لمركز دبي للسلع المتعددة (DMCC)، كلاعب إضافي يربط بين المستثمرين المحليين وكتلة صناعية هندية ضخمة.
فالشركة تتعامل مباشرة مع مجموعات مثل Rashmi Metaliks وOrissa Metaliks التابعة لإمبراطورية Rashmi Group، التي تتجاوز مبيعاتها 4.5 مليارات دولار.
وقد دخل اسم المجموعة الهندية دائرة التحقيق الجمركي في مومباي، إثر محاولة شركة Atlek Infracon – التي تبين أنها واجهة لمجموعة راشمي – تصدير معدات تعدين مستعملة إلى ميناء بربرة على أنها جديدة.
شركات أخرى
في موازاة ذلك، جذبت أرض الصومال اهتمام شركات هندية أخرى مثل Ruble Minerals التي تحولت من إثيوبيا إلى الإقليم بعد انهيار أسعار الليثيوم عالميًا عام 2023.
وتمثّل هرجيسا الآن ممرًا حيويًا لصادرات الذهب القادمة من السودان وإثيوبيا، حيث تُنقل شحنات الذهب في حقائب سفر مباشرة إلى دبي عبر رحلات شبه يومية، ليُعاد تصنيفها وإصدار شهادات منشأ إماراتية لها.
ورغم أن إثيوبيا حاولت كبح التهريب عبر تحرير أسعار شراء الذهب وربطها بالسوق العالمية في أغسطس 2024، إلا أن السوق السوداء للعملة وانتعاشها بنحو 20% أعاد فتح الباب أمام هذه التجارة.
من ناحيتها، تستغل حكومة أرض الصومال هذا الواقع عبر نظام ضريبي منخفض يتراوح بين 20 و50 دولارًا للكيلوغرام، مع نية لمراجعته ليصبح نسبة من السعر الأصلي للمعدن، وبذلك يبقى منافسًا وجاذبًا للمصدرين.
وعلى مستوى الميزان التجاري، حقق الذهب قفزة نوعية، فارتفعت تحويلاته من 36 مليون دولار عام 2022 إلى أكثر من 137 مليونًا في 2023، ما دفع وزير المناجم إلى القول إن الذهب قد يزيح الماشية قريبًا من صدارة صادرات الإقليم.
الهند تصنع موطئ قدم لها
تتجاوز القصة حدود الاستثمار في الذهب، لتُظهر سعي الهند إلى تأسيس موطئ قدم اقتصادي في منطقة استراتيجية عبر شبكات معقدة من الشركاء المحليين والدوليين.
بينما تستغل أرض الصومال الفراغ القانوني وغياب الاعتراف الدولي لتصبح مركزًا لتجارة الذهب الإقليمية، يظل المشهد محكومًا بتوازنات قبائلية هشة وصراعات جغرافية متداخلة قد تهدد استدامة هذا النمو.
وفي المقابل، تبدو الشركات الهندية الكبرى جاهزة لتحمل المخاطر مقابل الوصول إلى موارد غير مستقرة لكنها عالية العوائد.




