شؤون تحليلية دولية

سقوط نائب رئيس جنوب السودان يعيد رسم المشهد السياسي في جوبا

شهدت جوبا واحدة من أعمق عمليات إعادة التموضع داخل هرم السلطة منذ توقيع اتفاق السلام، مع إطاحة نائب الرئيس الجنوبي السوداني الثاني بنجامين بول ميل، وبدء حملة تغييرات متسارعة أعادت ترتيب الوجوه، والتحالفات، وشبكات النفوذ داخل الدولة.

إطاحة بنجامين بول ميل

إطاحة بنجامين بول ميل لم تكن حدثاً معزولاً، بل خلاصة مسار تصاعد منذ أشهر، بدأت إشاراته الأولى مع تقليص مساحة influence للرجل داخل المؤسسة العسكرية وملف النفط والاستثمارات، وهي الملفات التي شكّل فيها بول ميل محوراً لعلاقات متشعبة مع الإمارات وشخصيات من قيادة قوات الدعم السريع.

بدأت الأزمة عندما أطاح كير بعدد من المقربين من بول ميل داخل الحكومة، بينهم مسؤولون في وزارات العدل والمالية والبيئة، وبذلك جرى تفكيك الحلقة البيروقراطية التي اعتمد عليها الرجل لإدارة نفوذه.

توالت بعدها التطورات بسرعة غير مسبوقة: تجريد بول ميل من رتبته العسكرية، وتقييد تحركاته، وتصفية امتداداته في الأجهزة المدنية.

تحركات أدوت سلفا كير

داخل القصر، تحركت أدوت سلفا كير—التي اكتسبت نفوذاً واسعاً منذ تعيينها مبعوثة رئاسية—لإدارة ملف الإزاحة.

اعتمدت أدوت على شبكة علاقاتها داخل الحركة الشعبية، وطرحت بدائل لشغل المناصب الشاغرة، أبرزهم أفريكانو ماندي ومونيكا أشول، اللذان أصبحا جزءاً من الدائرة التي يجري بناؤها حول الرئيس.

كما أسست أدوت قنوات تأثير مباشرة تتجاوز البيروقراطية التقليدية، ما جعلها محوراً أساسياً في عملية إعادة تشكيل السلطة.

عودة جيمس واني إيغا وبرنابا باك تشول

عودة جيمس واني إيغا إلى منصب نائب الرئيس ومنحه ملف الاقتصاد أعادت تثبيت أحد أقدم داعمي كير في موقع حرج ضمن خط الخلافة.

وفي خطوة موازية، عاد برنابا باك تشول إلى وزارة المالية لتأمين السيطرة على أهم مورد للدولة، فيما عاد بول نانغ ماجوك إلى قيادة قوات الدفاع، مما أغلق الباب أمام نفوذ بول ميل داخل المؤسسة العسكرية.

أثر سقوط بول ميل على علاقة جوبا بالإمارات والسودان

على المستوى الخارجي، كان سقوط بول ميل مؤثراً في علاقة جوبا مع الإمارات، الرجل كان يمثل قناة اتصال رئيسية في ملفات النفط والاستثمارات الطارئة، لكن الإطاحة به فتحت المجال أمام إعادة تنظيم هذه العلاقة لصالح قنوات مباشرة يشرف عليها مكتب الرئيس.

في المقابل، تحسّن التواصل بين جوبا والجيش السوداني الذي أطلق تحذيرات من تهديدات قوات الدعم السريع لمنشآت نقل النفط داخل السودان، وهو ملف حرج لجوبا.

هذا الواقع دفع القصر لتقوية التواصل الأمني مع الخرطوم على حساب العلاقة مع الدعم السريع التي كان يديرها بول ميل.

أما في معسكر ريك مشار، فقد أثارت التطورات شعوراً بأن ميزان القوة تحرك ضد الدائرة التي لطالما ارتبطت بشبكات الإسناد الإقليمي لمشار، خصوصاً تلك الممتدة إلى جوبا وأوغندا.

ويُعتقد أن سقوط بول ميل قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية جديدة، وربما خطوة نحو عفو عن مشار نفسه، شريطة ألا تصطدم هذه العملية مع ترتيبات الخلافة التي تقودها أدوت.

يبدو أن جوبا تدخل مرحلة إعادة هندسة للنظام السياسي، حيث صعدت أدوت إلى موقع تأثير يجعلها أقرب الشخصيات إلى دائرة الخلافة الرئاسية.

إزاحة بول ميل أنهت توازناً كان يمنح الإمارات والدعم السريع نفوذاً داخل الدولة، وفتحت المجال لتحالف وظيفي جديد مع الجيش السوداني.

التغييرات تشي باستراتيجية لإغلاق الدوائر القديمة وخلق تركيبة سلطة أكثر مركزية، لكنها قد تولّد صراعاً جديداً إذا تداخلت حسابات الخلافة مع عودة الخصومات التاريخية بين معسكر كير ومشار، خاصة في ظل إعادة توزيع النفوذ بين العسكر والاقتصاد والأمن الإقليمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى