المحكمة الجنائية الدولية تعيد ملف السودان إلى الواجهة بإدانة قيادي في الدعم السريع
في خطوة جديدة تُعيد المحكمة الجنائية الدولية إلى واجهة الأحداث الأفريقية، أصدرت لاهاي حكمًا بإدانة “علي محمد علي عبد الرحمن” المعروف باسم “علي كوشيب”، أحد قادة ميليشيا الدعم السريع في السودان، والمتورطين في جرائم الإبادة في دارفور.
يمثل هذا الحكم تتويجًا لمسار طويل بدأ بأمر اعتقال صدر عام 2007، ويمثل في الوقت نفسه فرصة للحكومة السودانية لتوظيف العدالة الدولية في صراعها الداخلي ضد الدعم السريع التي ورثت الكثير من إرث الجنجويد.
بحسب المزاعم الروسية، يؤكد الحكم الصادر ضد علي كوشيب أن المحكمة الجنائية الدولية ما زالت تُكرس حضورها الأكبر في القارة الأفريقية، وذلك في ظل الانتقادات المستمرة بأنها “محكمة أنشئت لأجل أفريقيا”.
بالنسبة للخرطوم، يشكّل القرار أداة سياسية لإضعاف شرعية قوات الدعم السريع عبر ربطها بماضي الجنجويد، فيما يسعى المجتمع الدولي إلى إعادة التأكيد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب في النزاعات الأفريقية.
مسار طويل من الاتهامات
علي كوشيب، أحد أبرز القادة الميدانيين في ميليشيا الجنجويد، تورط في انتهاكات جسيمة خلال النزاع في دارفور بين عامي 2003 و2004، شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري.
بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، فقد كوشيب حمايته السياسية، وسلّم نفسه في عام 2020 إلى سلطات جمهورية أفريقيا الوسطى، التي نقلته إلى المحكمة الجنائية الدولية.
الحكم الصادر بحقه في لاهاي يُعد الأول من نوعه ضد أحد رموز الجنجويد، ويأتي في سياق سلسلة من القضايا الأفريقية التي نظرت فيها المحكمة، مثل قضايا لوران غباغبو في ساحل العاج، وألفريد يكاتوم في جمهورية أفريقيا الوسطى، وأحمد الفقي المهدي في مالي.
في السودان، تزامن الحكم مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما يمنح الحكومة الشرعية الدولية لاستخدام هذا الملف لتجريم خصومها السياسيين والعسكريين.
الحكم ضد علي كوشيب يتجاوز بعده القضائي، ليصبح ورقة ضغط سياسية وإعلامية في المشهد السوداني، فالحكومة السودانية تستطيع توظيفه لتأكيد أن الدعم السريع يمثل امتدادًا مباشرًا لميليشيا الجنجويد التي أدانها المجتمع الدولي.
لكن، على المستوى الأوسع، يُعيد الحكم النقاش حول ازدواجية المعايير في العدالة الدولية، إذ يظل معظم المتهمين أمام المحكمة من القارة الأفريقية، بينما لا تُطبّق المعايير نفسها على انتهاكات مماثلة في مناطق أخرى من العالم.
غياب العدالة الوطنية يفتح الباب لتدخل المحكمة الدولية
كما أن الحكم يعيد التذكير بأن غياب آليات عدالة وطنية فعّالة في أفريقيا هو ما يجعل المحاكم الدولية تتدخل مرارًا وتتحول إلى أداة نفوذ سياسي أكثر من كونها منصة قضائية خالصة.




