مقالات

استراتيجية المضطر: فرنسا تخفض وجودها العسكري في أفريقيا

بقلم: د. سعيد ندا – دكتوراه العلوم السياسة، جامعة القاهرة.

بعد أن كان حضورها العسكري، يغطي جل مستعمراتها في أفريقيا، لم يعد لفرنسا تواجداً عسكرياً في القارة، سوى في قاعدةً عسكريةً في جيبوتي تحت الإدارة الفرنسية، وقاعدة عسكرية في الجابون أصبحت تحت إدارة مشتركة مع الجيش الجابوني، ففي أقل من ثلاث سنوات سحبت فرنسا قواتها، من قواعدها العسكرية وسلمتها للسلطات المحلية، في كل من: مالي وأفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر وكوت ديفوار وتشاد والسنغال.

ويثير هذا التطور اللافت عدة تساؤلات، حول الأسباب التي أدت إليه، سعياً إلى الوقوف على حقيقة ما إذا كانت فرنسا، قد اضطرت إليه اضطراراً، على نحو ما تنبئ به المؤشرات الأولية، أم أنها اختارته بإرادتها، بمناسبة تطوير استراتيجيتها تجاه القارة الأفريقية، على نحو ما يصرح به الرئيس “إيمانويل ماكرون”، وصولا إلى استشراف تأثير ذلك الانسحاب مستقبلا، على العلاقات الفرنسية الأفريقية، وعلى الاقتصاد الفرنسي، وعلى مكانة فرنسا ونفوذها في النظام الدولي، وهو ما ستتناولة هذه الورقة عبر المحاور التالية:

أسباب تنامي الرفض الأفريقي للتواجد العسكري الفرنسي

لن يجد المتتبع لتطور المشهد السياسي الأفريقي، وبخاصة في أفريقيا الفرنسية عناءً، في الوقوف على أبرز أسباب النفور النخبوي والمجتمعي، من الوجود العسكري الفرنسي، والتي يمكن إجمالها بإيجاز فيما يلي:([i])

  • الانقياد والتبعية السياسية:  فالسياسة الخارجية الفرنسية تجاه مستعمراتها الأفريقية، قامت بالأساس بعد الاستقلال (ظاهرياً)، على التحكم والسيطرة في الحكام والنخب السياسية، لضمان تحقيق أطماعها في ثروات هذه الدول.
  • الاخفاق الأمني: كانت مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، وتحقيق الأمن الإنساني، أولى الأهداف والتطلعات النخبوية والشعبية، المرجوة من الوجود العسكري الفرنسي، غير أن النتائج كانت عكسية، أو على الأقل كانت مخيبةً للآمال.
  • الهيمنة الاقتصادية : يتمثل المحرك الأول والأخير للسياسات الفرنسية، تجاه أفريقيا الفرنسية، في الاستحواذ على أكبر قدر من مواردها الطبيعية، بأقل تكلفة وأدني جهد، وحجز الحصة الأكبر من أسواق هذه الدول، للمنتجات الفرنسية، وهو ما أورث هذه الدول تخلفاً وفقراً، على الرغم من غناها بالموارد.
  • سوء الإدارة وضعف الأداء الحكومي: يرجع إخفاق المسئولين السياسيين والحكوميين، في تلبية مطالب مواطنيهم، إلى انشغالهم بالتربح الشخصي والاثني، واتباع السياسات المملاة عليهم من رعاتهم الفرنسيين، ومن هنا رَبَطَ المواطن الأفريقي – بحق – بين هذا الإخفاق، وبين الهيمنة الفرنسية على القرار الحكومي.
  • التنافر الثقافي والاخلاقي:  تقوم سياسة فرنسا تجاه المجتمعات الأفريقية، على نشر الثقافة الفرنسية، وبخاصة تلك القيم التي تتعارض بطبيعتها، مع القيم الدينية والثقافية للمجتمع الأفريقي، مثل قيم الشذوذ والمثلية والزواج الأحادي، وغير ذلك من القيم الفرنسية.
  • انتشار وتعمق الوعي المجتمعي:  ساعدت العولمة والتقارب الثقافي والحضاري بين الأمم، على ظهور أجيال جديدة من النخب، المجتمعية والسياسية والعسكرية الأفريقية، على قناعة تامة بأن المستعمر الفرنسي، لا يُقَدِّم خدمات مجانية، وبأنه يستنزف موارد بلدانهم، وأن هذا لن يتوقف إلا بالتخلص من الهيمنة الفرنسية.
  • اشتداد التنافس الدولي واتساع هامش المناورة: أدى التنافس الدولي الشديد على موارد القارة، إلى اتساع هامش المناورة أمام متخذ القرار الأفريقي، وأتاح له المفاضلة بحرية بين البدائل المتعددة، بعد أن كان أسير الخيارات، التي يتحكم الغرب وحده في طرحها.
  • انتشار العدوي (تأثير الدومينو): ثبت تاريخياً أن الظواهر السياسية، تنتقل سريعاً عن طريق العدوي، ومن أبرز الأمثلة: انتشار موجة التحول الديمقراطي في أفريقيا في التسعينيات، وتفشي موجة الانقلابات العسكرية في أفريقيا مؤخراً، وما صاحبها من عداء للوجود العسكري الفرنسي.
  • تأثير الإعلام والميديا: كان لوسائل الإعلام تأثير بالغ، في قبول أو رفض الحضور العسكري الأجنبي، لدى النخب والجماهير الأفريقية، وهو ما استغلته روسياً في الترويج لحضورها العسكري، وتأجيج مشاعر الكراهية للوجود العسكري الفرنسي.

انسحاب عسكري متلاحق من أفريقيا الفرنسية

انفرط عقد الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا أواخر عام 2021م، ومذاك تتابع انسحاب القوات الفرنسية من عدة دول أفريقية.

  • الانسحاب من مالي

على إثر الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد “آسمي جويتا”، على الرئيس “أبو بكر كيتا” أواخر العام 2020، والانقلاب الذي دبره “جوبيتا” بعدها، على الرئيس الانتقالي “باه نداو” وحكومته، وفي ظل الإخفاق العسكري الفرنسي، والتقارب المالي مع روسيا، ساءت العلاقات بين فرنسا، والنظام العسكري الانتقالي الحاكم في مالي، وبدأت فرنسا في سحب قواتها من مالي تدريجياً، وأتمته في 15 من آب/أغسطس عام 2022م، وأدى ذلك إلى تدهور ثم قطع العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البدين.([ii])

  • الانسحاب من أفريقيا الوسطى

ضرب عدم الاستقرار المشهد السياسي الوسط أفريقي، وكانت القوات الفرنسية، تؤدي مهمة دعم القوات الحكومية، في التعامل مع العنف الداخلي، ضمن عملية “سانجاريس”، غير أنها أخفقت في تحقق أهدافها، ما دفع السلطات في “بانجي”، إلى مد جسور التعاون مع موسكو أوائل عام 2021، وبدأت قوات “فاجنر” في دعم القوات الحكومية، فأرادت فرنسا أن تُحْدِث فراغاً أمنياً مفاجئاً، فسحبت قواتها من أفريقيا الوسطى أواخر العام 2022، وجاء ذلك على مُراد موسكو، فكثفت من حضورها العسكري، فيم انقطعت  كل أشكال التعاون بين “بانجي” وباريس.([iii])

  • الانسحاب من بوركينا فاسو

حاولت فرنسا إحكام قبضتها على السلطة في بوركينا فاسو، عبر انقلاب عسكري قاده المقدم “بول هنري داميبا”، وكادت الأمور تسير بالاتجاه الذي رسمته فرنسا، لولا أن هبَّ مجموعة من صغار العسكريين، بقيادة النقيب “إبراهيم تراوري”، وانقلبوا على “داميبا” في سبتمبر عام 2022م، ففر خارج البلاد وتولي “تراوري” السلطة، وساءت علاقاته مع فرنسا وطرد عسكرييها ودبلوماسييها، وانقطعت علاقات البلدين تماماً بحلول 19 شباط/فبراير 2023.([iv])

  • الانسحاب من النيجر

على إثر تزايد حدة الإرهاب والعنف، فضلا عن عدم الاستقرار الناشئ عن توتر العلاقات المدنية العسكرية، نَفَذَ عسكريون نيجريون انقلاباً عسكرياً أواسط العام 2023، قاده الجنرال عبد الرحمن تياني واعتقلوا الرئيس “محمد بو عزوم”، وفي حينه رفضت فرنسا الاعتراف بسلطة الانقلابيين، وساءت علاقاتهم بباريس، لدرجة أنهم طلبوا من فرنسا سحب قواتها من البلاد، فأتمت الانسحاب أواخر العام 2023، وقرر عسكريو النيجر إلغاء كل اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، ودخل البلدان في قطيعة تامة.([v])

  • الانسحاب من تشاد

في خطوة مفاجئة أنهت تشاد، تعاونها العسكري مع فرنسا أواخر نوفمبر 2024، وبررت ذلك برغبتها في تحقيق السيادة الكاملة على أراضيها، وقالت أنها تحتفظ بعلاقات جيدة مع الحكومة الفرنسية، بما يخدم مصالح الشعبين، غير أن تقارير لم تتأكد، تحدثت عن أن باريس أحجمت عن تقديم، دعم استخباراتي وعملياتي ما أغضب نجامينا، وكانت القوات الفرنسية تتمركز في (3) قواعد عسكرية في تشاد،  في “نجامينا” و”فايا لارجو” و”أبيشي”، وقد أتمت فرنسا سحب قواتها في 30 كانون الثاني/يناير 2025م، قبل يوم واحد من الموعد النهائي الذي حددته الحكومة التشادية.([vi])

  • الانسحاب من ساحل العاج “كوت دي فوار”

على غرار ما حدث في تشاد، أعلن الرئيس الإيفواري “الحسن واتارا”، في خطابه الذي ألقاه بمناسبة نهاية العام 2024، سحب القوات الفرنسية الموجودة في البلاد (600 جندي)، مؤكداً على أن ذلك القرار قد تم اتخاذه بسبب تحديث الجيش الإيفواري، وفي 20 شباط/ فبراير 2025م أنهت فرنسا وجودها العسكري في كوت ديفوار، وتم تسليم الكتيبة (43) مشاة بحرية، التي كانت متمركزة في ميناء “بوييه” في مدينة “أبيدجان” إلى القوات المسلحة الإيفوارية، فيم أكد الرئيس “واتارا” استمرار التعاون العسكري مع باريس.([vii])

  • الانسحاب من السنغال

في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أنهي الرئيس السنغالي “باسيرو ديوماي فاي”، اتفاقية دفاع مشترك عقدت بين فرنسا والسنغال منذ استقلال البلاد عام 1960، مؤكداً أن استمرار وجود القوات الأجنبية، يتناقض مع وضع السنغال كدولة مستقلة ذات سيادة، وعليه تشكلت لجنة مشتركة للإشراف على الانسحاب، الذي بدأ في 7 أذار/مارس 2025، وبحلول 17 تموز/يوليو 2025 تم نقل المرافق الرئيسية، وتسليم القواعد العسكرية الفرنسية، في منطقتي “ماريشال” و”سانت إكسوبيري”، إلى السلطات السنغالية.([viii])

  • تقليص حاد للقوات في الجابون

تستضيف الجابون قاعدة دائمة للجيش الفرنسي، في مخيم ديجول بالقرب من مطار ليبرفيل، وقوامها (350) جندي من وحدات النخبة الفرنسية، تعمل كقوة رد فعل وتقدم دعما عملياتياً ولوجستياً في غرب أفريقيا، وتقدم تدريباً متقدماً للقوات الجابونية، وقررت فرنسا الانسحاب التدريجي من الجابون، بحيث يتبقى حوالي (100) جندي فرنسي فقط، في القاعدة الفرنسية في العاصمة “ليبرفيل” بنهاية تموز/يوليو 2025م.([ix])

  • الإبقاء على قاعدة في جيبوتي

أما بالنسبة لجيبوتي وفيها أكبر قاعدة عسكرية فرنسية بالخارج، وهي قاعدة دائمة تضم (1500) جندياً، ينتمون إلى وحدات متنوعة: برية، وجوية، وكوماندوز بحرية، وتدخل سريع، وتتمركز هذه القوات في القاعدة البحرية، كما تنتشر في عدة مواقع أخرى، مثل مطار “جيبوتي أمبولي” الدولي، ومطار “شابيلاي”، وتحتوي القاعدة على طائرات هليكوبتر، وطائرات “ميراج” المقاتلة، وسرب دبابات ومركبات مدرعة، وتعد القاعدة الفرنسية ركيزة أساسية، في استراتيجية الدفاع عن المصالح الفرنسية، ولا تخطط فرنسا لإحداث تغيير سلبي في هذه القاعدة.([x])

انسحاب اضطراري أم استراتيجية جديدة

ما أن تولى الرئيس “إيمانويل ماكرون” السلطة في “الإليزيه”، حتي أعلن في خطابٍ ألقاه عام 2017م في العاصمة البوركينية “واجادوجو”، عن نهج جديد سوف تنتهجه فرنسا، في علاقاتها مع الدول الأفريقية، قوامه بحسب تعبيره، “تجديد شراكتنا مع الدول الأفريقية”، بما في ذلك التعاون في المجال العسكري، ويبدو أن هذا النهج الجديد، ما لبث أن خضع للتطوير، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية في أفريقيا الفرنسية، وبخاصة في الدول التي تستضيف قوات وعمليات عسكرية فرنسية، فقد أنهت فرنسا عملية “برخان”، وبررت ذلك بأن المبدأ الذي ستسير عليه فرنسا في أفريقيا مستقبلاً، هو الحد من مشاركة قواتها العملياتية، والتركيز على التعاون والدعم اللوجستي بشكل أساسي، من حيث المعدات والتدريب والاستخبارات، متي طلبت الدول الأفريقية ذلك.([xi])

غير أن تسارع ديناميات المشهد الأمني المضطرب في أفريقيا الفرنسية، بالتزامن مع بروز الدور العسكري الروسي، حدا بعدة دول إلى نقض وإلغاء اتفاقيات التعاون العسكري المشترك، التي تجمعها بفرنسا، ومطالبة فرنسا بإجلاء قواتها فوراً من أراضيها، وتسيلم قواعدها ومواقعها للقوات المحلية، وهو ما حدث في كل الحالات، باستثناء أفريقيا الوسطى التي كانت المبادرة فيها لفرنسا، والجابون وجيبوتي التي لا تزال تستضيف قوات فرنسية على النحو سالف البيان، وحفظاً لماء الوجه أعلنت فرنسا غير مرة، أن سحب قواتها كان قرارها وحدها وبإرادتها، وأنه تم بالتنسيق مع الدول ذات الصلة، وأنها تركت لهم مهمة وطريقة الإعلان عن تلك الترتيبات.

وبتحليل السياقات المصاحبة للانسحاب العسكري الفرنسي، يمكن القول بأن الانسحاب الفرنسي من أفريقيا الوسطى، كان خطوة متسرعة من باريس، تستهدف توريط النظام الأفروسطي، وإحداث فجوة أمنية تهدد وجوده، حملاً له على مطالبة فرنسا بالعودة مرة أخرى، غير أن هذه الخطة أخفقت بسبب التدخل الروسي، كما يمكننا القول بأن الانسحاب الفرنسي، من مالي وبوركينا فاسو والنيجر كان اضطرارياً، وتم بقرار منفرد من القادة العسكريون الجدد لهذه الدول، وبخاصة وأن هذه الدول قطعت علاقاتها السياسية مع فرنسا، أما الانسحاب من تشاد وكوت ديفوار والسنغال، فلا يمكن الجزم بأنه كان إضطرارياً أو إرادياً، ذلك بأن فرنسا تزعم أنها رغبت بذلك، وأنها نسقته مع الطرف الآخر، وتركت له الإعلان عنه، فيما يزعم الطرف الأفريقي أنه صاحب القرار  وحده، مبرراً ذلك بأن الوجود العسكري الأجنبي، ينتقص من سيادة الدولة، ويزيد الأمر غموضاً أن هذه الدول، لم تقطع علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع فرنسا، بل وصرحت بأن المجال لا يزال مفتوحا، أمام التعاون العسكري لكن على أسس جديدة.

ومن هنا يمكننا القول بيقين، أن فرنسا أرادت إعادة صياغة استراتيجية جديدة، قوامها تخفيض كمي ونوعي لتواجدها العسكري في أفريقيا، لتقليل خسائرها، إلا أن الدول الأفريقية، لم تقبل بتخفيض القوات الفرنسية، ولا بإعادة تعريف دورها، وفي ذات الوقت استغل حكام هذه الدول، موجة المشاعر الشعبية المعادية للوجود العسكري الفرنسي، في تحقبق مكاسب سياسية تثبت بها ركائز حكمها، وبخاصة وأنها جميعاً تقلدت السلطة للمرة الأولى، وتمر بنوع ما من الاضطراب السياسي، وهو ما يعني أن استراتيجية فرنسا الجديدة، في التعاطي العسكري مع أفريقيا، لا تعدو أن تكون “استرتيجية المضطر”.

تأثير الاستراتيجية الجديدة على فرنسا

لا شك في أن تقليص الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا، بهذه الصورة الحادة، سوف يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر، على فرنسا سياسياً واقتصادياً، وفيما يلي أبرز هذه التأثيرات.

  • تأثر العلاقات الفرنسية الأفريقية

ألقي الانسحاب العسكري الفرنسي بظلال متباينة الكثافة، على علاقات فرنسا السياسية والدبلوماسية، مع الدول الأفريقية بصفة عامة، ومع الدول التي انسحبت منها عسكرياً بصفة خاصة، بل وامتدت تلك التأثيرات إلى علاقات فرنسا، مع التنظيمات القارية والإقليمية الأفريقية.

فعلى المستوي السياسي، دخلت فرنسا في قطيعة سياسية تامة، مع بعض الدول الأفريقية، مثل: مالى وأفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر، فيم انقطعت علاقاتها الدبلوماسية تماماً مع مالي، وتقلصت وانخفضت بدرجة كبيرة مع أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر، بينما لا يمكن الجزم بعدم تأثر علاقاتها السياسية مستقبلا – وإن لم تتاثر دبلوماسيا -، مع باقي الدول التي انسحبت منها عسكرياً، مثل: تشاد وكوت ديفوار والسنغال، بل ومع الجابون التي لم تنسحب منها عسكريا بالكلية؛ ذلك بأن التعاون العسكري والأمني، يعد ركيزة هامة في العلاقات التعاونية بين الدول، وقناةً رئيسيةً لمد جسور التعاون بينها، وبخاصة في أفريقيا.

أما على مستوي التنظيمات، فقد ساد قدر من الحذر والتحفظ، في العلاقات السياسية بين فرنسا، و”المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” “إيكواس”، وبخاصة بعد الاتهامات التي أطلقتها مجموعة دول الساحل، المنفصلة عن “إيكواس” وهى: مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي تنسب لفرنسا سيطرة على المجموعة، وتحكماً في خياراتها وقراراتها، ولا نستبعد أن يصل نفس التأثير، وإن كان بدرجة أقل، إلى أروقة الاتحاد الأفريقي.

  • تأثر الاقتصاد الفرنسي

ولا شك في أن تأثر العلاقات السياسية والدبلوماسية الفرنسية الأفريقية سلباً، على النحو المار  بيانه، له ارتدادات اقتصادية كبيرة على فرنسا، وأهمها تقليص حصة الشركات الفرنسية في السوق الاقتصادية الأفريقية، فضلا عن فقدان فرنسا لمورد نقدي كبير، بعد شروع جانب كبير من الدول المتعاملة بالفرنك الأفريقي (وسط وغرب)، في فك الارتباط مع العملة الفرنسية (اليورو حالياً)، وبخاصة بعد أن أطلق الاتحاد النقدي لغرب أفريقيا، مشروع العملة الموحدة (إيكو)، واتفق مع فرنسا على عدم التزام دول الاتحاد، بإيداع 50% من احتياطياتها من النقد الأجنبي، لدي الخزانة الفرنسية.([xii])

وفي ذات الوقت تعتزم الدول الثلاث المتخارجة من “إيكواس”، وهى: مالي وبوركينا فاسو النيجر، التخلص من ربقة الاستعمار النقدي الفرنسي، بالتخلي عن الفرانك “CFA” الغرب أفريقي، وذلك إما بإصدار عملة وطنية مستقلة، أو بإصدار عملة موحدة فيما بينهم، وهو ما صرح به القادة العسكريون الجدد لهذه الدول، وكانت دول مثل: موريتانيا، وغينيا كوناكري، ومدغشقر، قد سبقت الجميع إلى الخروج من دائرة الارتباط النقدي بفرنسا، بعد أن أصدرت عملات وطنية مستقلة خاصة بها.([xiii])

وهكذا بدات فرنسا في خسارة موردٍ هامٍ، من موارد احتياطياتها من النقد الأجنبي، وهو ما سيؤثر سلباً على الاقتصاد الفرنسي، وعلى الرغم من أن هذه التأثيرات السلبية، لم تظهر آنياً بشكل مباشر على الاقتصاد الفرنسي، بسبب مظلة الحماية التي توفرها له منطقة اليورو، إلا أن تلك التأثيرات السلبية، سوف تظهر حتماً، على المديين المتوسط والطويل، وبخاصة بعد أن تدخل قرارات فك الارتباط النقدي، للفرنك الأفريقي أو العملات المستبدلة به، مع فرنسا حيز التنفيذ.

  • تأثر مكانة ونفوذ فرنسا في النظام الدولي

وعطفا على التأثيرات السياسية والاقتصادية سالفة البيان، يمكن القول بأن مكانة فرنسا ونفوذها في النظام الدولي، لن يكونا في مأمن من التأثر سلباً، وبخاصة في ظل ما يجري تدبيره، من تغييرات في موازين القوي على الساحة الدولية؛ فعلى سبيل المثال – لا الحصر – سوف تفقد فرنسا، جانباً كبيراً من التأييد والدعم السياسي، الذي كانت تتلقاه من الأصوات الأفريقية في المحافل الدولية، وبخاصة أصوات أفريقيا الفرنسية المتمردة على النفوذ الفرنسي، هذا فضلا عن أن تداعي القوي الدولية، على ملء الفراغ الذي خلفه التراجع الفرنسي في الساحة الأفريقية، سوف يقف عائقاً أمام مساعي فرنسا، نحو رأب الصدع الذي أصاب علاقاتها بأفريقيا الفرنسية

المصدر؛ بوليتكال كيز


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى