مقالات

روسيا في إفريقيا  من نهب الموارد الطبيعية إلى سرقة الثروات البشرية

بقلم: د. سعيد ندا – دكتوراه العلوم السياسة، جامعة القاهرة

اتكأت روسيا على إرثها السوفييتي في أفريقيا، وعاودت اقتحام الفضاء الأفريقي، ونجحت في بسط نفوذها في جنبات القارة، وساعدها على ذلك تلك التغييرات الحادة، التي تشهدها البيئة الأفريقية، وفي مقدمتها: اشتداد ظاهرة الصراعات والعنف المسلح واتساع نطاقها، وتفشي ظاهرة الإرهاب وارتباطها بالجريمة المنظمة، وتنامي ظاهرة الاستبداد بالسلطة، ورغبة كثير من الحكام في تأبيد حكمهم، ضف إلى ذلك اتساع الفراغات، التي خلفها تراجع النفوذ الغربي في أفريقيا، سواءً بفعل الأفارقة، أو بفعل الغربيين أنفسهم، أو تحت وطأة التغييرات التي تحدث في النظام الدولي.

واللافت في العودة الروسية أمران: أولهما، تكثيف روسيا نشاطها في أفريقيا بعد حربها على أوكرانيا، على خلاف المتوقع منها، وثانيهما، تنويع أساليب ووسائل وأدوات تحقيق أهدافها في القارة، سواءً كانت مشروعة أو غير مشروعة، وبطبيعة الحال تتوارى الأهداف غير المشروعة، تحت حِزَمٍ براقة وجذابة من المشروعات والوعود، التي تخاطب تطلعات الحكام والنخب والشعوب الأفريقية.

ولطالما فَطِنَ كُثُرٌ لعمليات النهب، التي مارستها روسيا – وكل القوي الخارجية – على موارد القارة، تحت مظلة الاستثمار والشراكة والتنمية، غير أن الجديد هذه المرة هو سرقة الثروات البشرية للقارة، تحت شعارات التمازج الثقافي وتقديم المنح التعليمية، واتخاذ ذلك وسيلة للزج بالطامحين من شباب وشابات القارة، في أتون حرب لا ناقة لهم ولا جمل، وهى حرب روسيا على أوكرانيا، وتسعي هذه الورقة نحو رصد وتحليل هذه الظاهرة، توطئة لبذل مزيد من الجهود البحثية، من أجل طرح أنجع الطرق لمواجهتها، وذلك في المحاور التالية:

روسيا وأفريقيا في سطور

مخطئ  من يظن أن أفريقيا غابت عن الاستراتيجية التوسعية الروسية، من لدن روسيا القيصرية، مروراً بالاتحاد السوفييتي، وصولاً إلى روسيا الاتحادية البوتينية، وبنظرة تاريخية فاحصة نجد أن الغاية واحدة، والأهداف متنامية، والأساليب والوسائل والأدوات متعددة، والخسائر الأفريقية في كل الأحوال والأوقات، تكاد تنحصر في الاستنزاف المستدام لموارد القارة.

 فما أن تناهت أخبار الاستكشاف الغربي لأفريقيا، إلى مسامع قياصرة روسيا في القرن الخامس عشر، حتى بادروا إلى نسج علاقات توسعية مع القارة، بدأوها مع الشمال والشرق واستهدفت في المقام الأول، تعضيد النفوذ العالمي الروسي، مع عدم تجاهل المنافع الاقتصادية، وما أن استقرت أوضاع الاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية أوائل القرن العشرين، حتى راح الروس يدعون إلى الاشتراكية حول العالم، وصادفت هذه المساعي تنامي موجة الغضب والكراهية، للاستعمار الغربي والرأسمالية في أرجاء القارة، ما فتح أبوابها على مصراعيها لانتشار الفكر الاشتراكي، لدرجة أن كل الدول الأفريقية المستقلة – ظاهريا – بلا استثناء، تبنت الأيدلوجية الاشتراكية إما صراحةً أو اشتقاقاً أو استلهاماً، فكانت الاشتراكية بمثابة مفتاح الولوج إلى أفريقيا، وهو ما وظفته روسيا جيداً، لاقتحام فضاءات القارة أيدلوجياً في المقام الأول، مع عدم تجاهل المنافع الاقتصادية أيضاً.([1])

وفي أعقاب الـ “بيريسترويكا” وانهيار الاتحاد السوفييتي، مطلع تسعينيات القرن العشرين، خبت ألسنة اللهب الروسية في جل – إن لم يكن كل – أصقاع القارة، لكن الأطماع الروسية لم تنطفئ، وظل الروس يتأهبون لإعادة إشعالها، حتى جاء بوتين وغير في الاستراتيجية الروسية، لتتخلص من البعد الأيديولوجي، ويتصدر البعد الاقتصادي قائمة أهدافها.

أساليب ووسائل وأدوات روسيا البوتينية

ركزت روسيا البوتينية على نهب موارد القارة، كتطوير للنهج الأيديولوجي من جهة، ومن جهة أخرى، لتعويض خساراتها الناجمة عن حربها على أوكرانيا، وبخاصة تلك التي سببتها العقوبات الغربية، ويسببها المجهود الحربي، وبطبيعة الحال كان ولا بد، من تطوير الاستراتيجية الروسية، تطويراً شاملاً.

فمن حيث الأساليب استخدمت روسيا، كل أساليب التحفيز والإغراء والضغط والتخويف، بما يتلاءم مع طبيعة قادة الدول الأفريقية، والظروف التي تمر بها دولهم، فعلى سبيل المثال، ونظراً لطبيعة القادة العسكريين الجدد، المتشبثين بالسلطة في دول الساحل، المأزومة بقضايا الإرهاب والجريمة المنظمة، فقد أغرتهم روسيا بقدراتها الأمنية الكبيرة، وحفزتهم بتقديم بعض المساعدات العسكرية، والمعلومات الاستخباراتية غير المدفوعة، وفي ذات الوقت لا تنفك تُخَوِفَهُم بقدرتها، على تأليب النخب والجماهير ضدَهم، وتدبير المؤامرات الانقلابية لإطاحتهِم.

ومن حيث الوسائل لم تدخر روسيا وسيلة، تفتح لها أبواب أفريقيا إلا واستخدمتها، فها هي تكثف من نشاطها السياسي والدبلوماسي، وتمد جسور التعاون العسكري والأمني، والمجتمعي والإنساني والثقافي، في أشمل استراتيجية انتهجتها تاريخيا تجاه القارة.([2])

ومن حيث الأدوات لم تألو روسيا جهداً، في سبيل تنفيذ مخططاتها، فراحت تنوع أدوات الدعم العسكري، بين التسليح والتدريب، والمعلومات الاستخباراتية، والحراسات وغيرها، كما خصصت منصات إعلامية تقليدية وحديثة (سوشيال ميديا)، للترويج لعوائد التعاون معها وفوائد القطيعة مع الغرب، كما نفَّذَت في كثير من الدول الأفريقية، برامج اجتماعية وإنسانية وثقافية عديدة.([3])

نهب الموارد الطبيعية وشعارات الشراكة والتنمية

تمتلك أفريقيا حوالى 30%، من احتياطي الثروات المعدنية حول العالم؛ ففيها حوالى 90% من احتياطي البلاتين، وحوالى 50% من احتياطي الماس، كما أنها تُنتج حوالى 23% من الذهب المتداول عالمياً، وحوالى 18,4% من اليورانيوم، وحوالى 40,8% من الكوبلت، وحوالى 34,2% من المنجنيز، وحوالى 31% من الفانديوم، وحوالى 30% من الفوسفات، وحوالى 11% من النفط الخام، وحوالى 7,5% من الغاز الطبيعي، وقس على ذلك الكثير من الموارد والثروات، وقد حدت هذه الوفرة المُغْرِية بروسيا، إلى العودة إلى القارة أكثر نهماً ونهباً لمواردها، عبر عدة وسائل وأدوات.([4])

ومن ذلك ما تقوم به قوات “فاجنر” الروسية، من السيطرة على جزء من ثروات البلدان، التي تستقبل خدماتها العسكرية والأمنية، تحت غطاء المساعدة في مواجهة الإرهاب، وحفظ الأمن وتحقيق الاستقرار، فها هي قد حصلت على حصص كبيرة، من نواتج عمليات التعدين في أفريقيا الوسطى، مقابل الخدمات العسكرية والأمنية التي تقدمها للحكومة.

 هذا فضلا عما صاحب هذه الخدمات، من عمليات النهب الاقتصادي، تحت غطاء الاستثمار والشراكة الاقتصادية، حيث تأسست عدة شركات روسية، ترتبط بشكل أو بآخر بمجموعة “فاجنر”، وأبرزها: شركة “لوباي إنفست”، التي تعمل في مجال تعدين الماس والذهب، وشركة “بوا روج” والتي تعمل في مجال الغابات والحياة البرية.([5])

وتستفيد هذه الشركات من تخفيضات كبيرة في الرسوم الجمركية، وإعفاءات ضريبية كاملة أو جزئية طويلة الأمد، وتحصل على تصاريح مفتوحة لممارسة أنشطة كثيرة، يصعب على غير هذه الشركات الحصول عليها، كما تحصل على نسب كبيرة من عوائد المشروعات، وعلى الرغم من أن مثل هذه والوسائل، وما تسفر عنه من صفقات، تُصَنَّف ضمن الأنشطة المشروعة، باعتبارها تبادلاً سلعياً، إلا أنها تعد غير عادلة في كل الأحوال، فهي أقرب إلى الهبات والمنح والعطايا، منها إلى العمليات التجارية التقليدية.([6])

ومنه أيضاً ما تقوم به نفس قوات “فاجنر”، من نهب وتهريب غير مشروع لموارد بعض الدول، بالتعاون مع بعض الخارجين على القانون فيها، كما هو الحال في حالة مثل السودان، حيث نسبت تقارير موثوقة، عمليات نهب ممنهج للذهب السوداني، لقوات “فاجنر” بالتعاون مع قوات ميليشيا الدعم السريع، التي دخلت في حرب أهلية مع الجيش السوداني، ضمن مخطط إماراتي أكبر، للاستيلاء على السلطة والثروة في السودان.([7])

ولا مجال هنا لحصر عمليات نهب الأذرع الروسية للموارد الأفريقية، فالأمثلة أكثر من أن يستوعبها نطاق البحث هنا، لكنا نذكر بعض الأمثلة الصارخة، ومنها ما حدث في مالي، حيث استولى مرتزقة “فاجنر”، على عدة مناجم للذهب، وما حدث في ليبيا، حيث تستحوذ “فاجنر” على جانب كبير، من العوائد النفطية الليبية، في مقابل دعم وحماية المشير حفتر، وفي ضوء ما سبق نستخلص، أن نهب الموارد والثروات الطبيعية الأفريقية، بات نهجاً لا يحيد عنه الروس.

سرقة الثروات البشرية وشعارات التعاون الثقافي والمجتمعي

لم تُشْبِع الموارد والثروات الطبيعية، نهم الروس تجاه أفريقيا، فوسعوا قائمة مطامعهم، لتضم والثروات البشرية الأفريقية، ولا غرو فالقارة هي الأكثر شباباً عالمياً، حيث يمثل الشباب حوالى 60% من سكانها، وهم بمثابة 42% من شباب العالم، بينما لم تتهيأ سوق العمل الأفريقية، لاستيعاب هؤلاء الشباب، ولم يتم تهيئتهم أصلا لدخول سوق العمل، وهو ما يفسر جانب كبير من هجرة الأفارقة، بحثا عن ظروف معيشية أفضل.

ومن هنا خططت روسيا لجذب الشباب الأفارقة، تعويضاً للشيخوخة التي دبت في أوصال مجتمعها، شأنه شأن جل مجتمعات العالم الأول، للاستفادة منهم في كل المجالات، ويُعَد المجهود الحربي الذي تتطلبه الحرب على أوكرانيا، من أبرز المجالات التي ركزت روسيا، على الزج فيها بالشباب الأفارقة، وبخاصة في قِطَاعَي القتال المباشر والإنتاج الحربي.

  • الشباب: على جبهة القتال . . بين الوعد والوعيد

يصنف المقاتلون الشباب الأفارقة في روسيا، بين فئتين وهما: من حضر من بلاده للمشاركة في العمليات الحربية، ومن حضر لأسباب أخرى كالعمل أو الدراسة، غير أن القاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً وهو العوز والفاقة، حيث ضاقت بهم سوق العمل الوطنية، ولم يجدوا فيها إلى كسب المال سبيلاً.

فأما الشباب الذين تقطعت بهم سبل العيش في بلادهم، فقد استجابوا لنداءات التجنيد، تحت وطأة وعود الروسية، برواتب سخية ومستقبل أفضل، مع وعود بتمتعهم بمزايا أخرى، متى أمضوا فترة في الخدمة العسكرية، ومن هذه المزايا حصولهم  هم وعائلاتهم على الجنسية الروسية.

وأما الشباب الذين حضروا إلى روسيا للدراسة أو للعمل، فلم يجدوا مصدراً كافياً للدخل، فتنقلوا من أعمال رديئة، إلى أعمال أكثر رداءة، في ظروف عمل قاسية، وضعتهم في نهاية المطاف، في موضع اختيار بين العودة أو الترحيل إلى بلادهم، أو الانضمام إلى الجيش الروسي، ومن ثم الحصول على رواتب مجزية، فضلا عن المزايا الأخرى كالحصول على الجنسية الروسية.([8])

وفي الحالتين يُجْبَر أولئك وهؤلاء على التوقيع، على عقود انضمام إلى الجيش الروسي، وفي الغالب لا يعلمون عن مضمونها شيئاً، لجهلهم أو ضعفهم في اللغة الروسية، وفي كل الأحوال لا يتم إخبارهم بأنهم سيذهبون إلى الجبهة القتالية الأمامية، بل وكثيراً ما يُوعَدُون بأن خدمتهم سوف تكون فقط، ضمن أفراد الخدمات والدعم والمساندة.

  • الشابات: من فرص التدريب والتوظيف إلى المصانع الحربية

أما الشابات الأفريقيات المتواجدات في روسيا، فيلاقون ما يلاقيه الشباب، غير أنه يتم توجيههن في الأغلب، نحو الانخراط في الانتاج الحربي، وبخاصة في مصانع تجميع الطائرات المسيرة، وأما أولئك المستقْدَمات من بلادهن، فيتم استقطابهن، إما بالطرق التقليدية عن طريق وكلاء، تحت مزاعم تمكين النساء وتطوير إمكانيتهن، أو عن طريق برنامج “أبوجا ستارت” الروسي، الذي يُعْلِن عبر موقعه على الإنترنت، عن منحٍ تعليميةٍ مجانية، وفرصٍ واعدةٍ للعمل، للفتيات حول العالم، مع التركيز على استقطاب الفتيات، من الدول الأشد فقراً.([9])

ويقدم برنامج الـ “أبوجا ستارت” عند استقطابه للفتيات، وعوداً سخية بتسهيلات كبيرة، إذا ما اجتزن اختبار القبول، وهو اختبار شكلي، يمكن لجميع المتقدمات اجتيازه بسهولة، ومن ثم ينضممن إلى البرنامج، الذي يوفر لهن تكاليف ورسوم السفر، ورواتب مجزية مقارنة بأوضاعِهن في بلادِهن، وسكناً بأسعارٍ مناسبة، بالإضافة إلى فرص مجانية لتعلم اللغة الروسية.([10])

وقد أفادت تقارير عدة عن استقطاب البرنامج، لفتيات من عدد كبير من الدول الأفريقية، منها: بوتسوانا، موزمبيق، ومالي، وزمبابوي، وبنين، ورواندا، وكينيا، وتنزانيا، وتونس، وجنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وأفريقيا الوسطى، ونيجيريا، وأوغندا، وإثيوبيا، والصومال، وغيرها من الدول، للعمل في مصانع تجميع الطائرات من دون طيار الروسية-الإيرانية المشتركة في سهول تتارستان الروسية.([11])

نظرة مستقبلية وطروحات أولية

في ظل الضبابية التي تغشى التغييرات، الجاري إحداثها في النظام العالمي، من قِبَل الفواعل الكبرى، يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية، ستمتد لأزمنة تطول وتقصر، بحسب جريان مصالح القوي المستفيدة منها، وهم كُثُر، وهو مما لا شك في أنه سيؤثر مباشرةً، أو سينعكس بالضرورة، على نشاطات روسيا في الفضاءات الأفريقية، فمثل هذه السياقات تحتم عليها، تكثيف نشاطاتها من أجل خدمة مجهودها الحربي، وبخاصة في مجال الاستحواذ على الموارد والثروات الطبيعية، بما في ذلك الثروات البشرية، ومن هنا على صناع السياسة، وقادة الرأي، ونخب المثقفين الأفارقة، استخدام كل الأساليب والوسائل والأدوات، التي تحقق ما يلي:

  1. قيادة حملة تثقيفية لتوعية الشباب والشابات، عن مخاطر الاستجابة للدعوات غير الموثوقة، للسفر والهجرة من أجل التعليم والعمل في روسيا.
  2. توفير ورعاية مراكز تعليمية، تركز على تأهيل وتدريب الشباب الأفارقة، على متطلبات سوق العمل الوطنية، مع تقديم حوافز للالتحاق بهذه المراكز.
  3. استيعاب سوق العمل الوطنية للأيدي العاملة، وبخاصة من الشباب والشابات الأكثر عرضة، للاستقطاب من شبكات التجنيد الروسية.
  4. تحقيق العدالة الاجتماعية، وبخاصة فيما يتعلق بمشكلة تدني الأجور، ذلك بأن فرص العمل الوطنية المتاحة، لا تكفل أجراً عادلاً في جل – إن لم يكن كل – الأحوال.
  5. توفير وتهيئة بيئة أعمال جاذبة، عبر تقديم حوافز وضمانات استثمار قوية، من أجل جذب رأس المال الوطني والأجنبي وبخاصة في مجال الاستثمارات كثيفة العمل.
  6.  اشتراط توطين مهارات وتكنولوجيا كافة الأعمال، التي ينشئها المستثمرون الأجانب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى