شؤون تحليلية عربية

البرهان يناور بين تحالفات دارفور والإسلاميين في مواجهة حكومة حميدتي الموازية

يسعى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الحفاظ على وحدة الائتلاف الحاكم في بورتسودان، وسط مفاوضات صعبة لتشكيل حكومة جديدة بقيادة كامل إدريس.

تأتي هذه الجهود في ظل تصاعد خطر الحكومة الموازية التي يعدّها محمد حمدان دقلو “حميدتي” في دارفور، بينما تُستعاد رموز الإسلام السياسي إلى الواجهة، وتُفرض توازنات دقيقة بين الفصائل المسلحة والداعمين الإقليميين.

شهدت بورتسودان خلال تموز/ يوليو 2025 مفاوضات شاقة بين رئيس الوزراء كامل إدريس وتحالفات دارفور، بقيادة جبريل إبراهيم وميني أركو مناوي، لتوزيع الحقائب الوزارية.

اضطر إدريس لتجاوز خططه لتشكيل حكومة تكنوقراط لصالح الإبقاء على توازنات عسكرية وسياسية داخل مجلس السيادة.

في المقابل، يُحضّر حميدتي حكومة موازية في نيالا، مدعومة بقوات الدعم السريع وتحالف “تأسيس السودان”.

كما عاد رموز النظام السابق مثل وزير العدل الجديد عبد الله ظراف إلى الواجهة، مما يعكس تحالفًا تكتيكيًا مع تيارات الإسلام السياسي، التي تعرضت للإقصاء بعد الثورة، يأتي ذلك في ظل تراجع الاهتمام الدولي، واعتماد متزايد على شبكات تمويل إسلامية من تركيا.

خلفية التعيينات

رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي عُيّن في أيار/ مايو 2025، سعى بدايةً لتشكيل حكومة تكنوقراط تستند إلى دعم المجتمع الدولي، غير أن تحالفات دارفور، وخاصة حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مناوي، اعترضت على تهميشها، وأسفرت المفاوضات عن الإبقاء على وزارتي المالية والمعادن تحت سيطرتهما، في مخالفة للتوجه المدني المعلن.

احتدم الجدل حول منصب وزير المعادن، مع إصرار مناوي على إعادة تعيين محمد بشير أبو نمو، رغم اعتراضات داخلية، وانتهى الأمر بتعيين نورالدائم طه، وجهٌ من قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية، كما عُيّن معتصم أحمد (مستشار جبريل) وزيرًا للرعاية الاجتماعية، ما يُظهر مرونة تكتيكية لتأمين الولاء.

تصاعد التهديد الموازي

بالتوازي، يعمل حميدتي من نيالا على تشكيل حكومة بديلة، تستند إلى تحالف “تأسيس السودان”، مستفيدًا من المكاسب العسكرية في دارفور، واحتمال سقوط الفاشر، آخر معقل للجيش النظامي هناك، هذه الحكومة تهدف إلى السيطرة على كامل مناطق غرب وجنوب السودان.

وبشكل لافت، عُيّن عبد الله محمد ظراف، المحامي السابق لعمر البشير، وزيرًا للعدل، ما يشير إلى تحالف غير معلن بين برهان والتيارات الإسلامية.

وقد ساهمت القوات الإسلامية – أبرزها لواء البراء بن مالك بقيادة المصباح أبو زيد طلحة – في السيطرة على ولاية الجزيرة والخرطوم، بدعم مستقل عبر شبكات تمويل خارجية.

تمويل الحرب والهويات الموازية

القوات الموالية للجيش تُموّل عبر مصادر في تركيا، وتتمتع بهوامش مناورة سياسية لا تكلّف الدولة السودانية رسميًا، هذه البُنى الموازية تقوّض مركزية القرار في بورتسودان، وتعزز سطوة الفاعلين من خارج المؤسسات الرسمية.

إعادة إنتاج الدولة العميقة

التحول الجاري في بورتسودان يُظهر ما يمكن وصفه بـ”إعادة إنتاج الدولة العميقة” في السودان، لكن هذه المرة عبر شبكات أكثر تعقيدًا من الماضي، فالصراع لم يعد بين المدنيين والعسكريين فحسب، بل انتقل إلى صراع بين ائتلافات عسكرية متنافسة لكلٍ منها ظهر خارجي وشبكات تمويل عابرة للدولة.

ما يحدث في بورتسودان ونيالا يُجسّد انفصالًا متزايدًا في الشرعية الوطنية، بين “الدولة المركزية” بقيادة البرهان، و”الكيان العسكري البديل” بقيادة حميدتي.

هذا الانقسام لا يعبّر فقط عن خلاف حول السلطة، بل يشير إلى تطور خطير، ازدواجية الدولة، فنحن أمام حكومتين، وجيشين، وخطابين سياسيين متوازيين، لكلٍ منهما داعمون إقليميون.

رغم الخطاب المدني، فإن إدريس محاصر داخل إطار عسكري لا يتيح له سوى هامش ضئيل من الاستقلال، تعييناته خاضعة لمساومات القوى المسلحة، وهو ما يُفقد الحكومة المرتقبة طابعها المدني الحقيقي.

والملفت أن البرهان بات يلجأ لتحالفات إسلامية – كانت موضع إقصاء بعد الثورة – لإعادة بناء شرعيته السياسية.

الدور الإقليمي والدولي

غياب الفاعلية الدولية ترك فراغًا ملأته شبكات تمويل وتنظيم تتبع لدول إقليمية.

عودة الإسلاميين ليست فقط بسبب تصالح داخلي بل بفعل توفر موارد خارجية تعزز وجودهم السياسي والعسكري، في المقابل، يفتقر حميدتي، رغم قدرته العسكرية، إلى اعتراف دولي، مما يجعله يعتمد على شرعية “الأمر الواقع”.

تحالفات دارفور المسلحة لم تعد مجرد جماعات متمردة تسعى إلى تقاسم السلطة، بل تحولت إلى “قوى شريكة في الحكم” تمتلك وزارات، وجيشًا، وتمثيلًا دبلوماسيًا غير رسمي.

الخطير أنها باتت تلوّح باستخدام قوتها العسكرية لفرض مصالحها، ما يعني عسكرة التفاوض وإجهاض أي تصور لحكومة وطنية مستقلة.

تعدد الحكومات، والميليشيات، وشبكات التمويل، يُنذر بأن السودان يتجه نحو “صوملة سياسية”، حيث تتفكك الدولة إلى كيانات موازية يدير كلٌ منها منطقة نفوذ مستقلة، تفتقر لرابط مؤسساتي جامع. هذه الصيغة تجعل من استعادة الدولة السودانية، كجهاز موحّد، أمرًا بالغ الصعوبة.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى