شؤون تحليلية دولية

الكونغو الديمقراطية تتجه نحو شراكة متعددة الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية

بين مفاوضات متقدمة مع واشنطن لعقد شراكة استراتيجية، ومساعٍ لتعزيز الانفتاح على أوروبا، تتحرك إدارة رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي في مسارات دبلوماسية متوازية لتفادي الارتهان لمحور واحد.

زيارة وفد رفيع إلى لندن تُبرز هذه الاستراتيجية، وتسعى إلى جذب استثمارات بريطانية متقدمة، بالتوازي مع الاتفاق المتوقع توقيعه مع إدارة ترامب في آب/ أغسطس المقبل، بحضور رواندي، ما يعكس تقاربًا ثلاثيًا جديدًا في قلب أفريقيا.

أوفدت كينشاسا بعثة رفيعة المستوى إلى لندن ضمت شخصيات نافذة في الحلقة المقربة من الرئيس تشيسكيدي، من بينهم شقيقه جاك تشيسكيدي، وابن عمه رجل الأعمال توني كانكو شيكو، إلى جانب المستشار السابق سيرج تشيبانغو.

الهدف من الزيارة هو توجيه رسائل مزدوجة، طمأنة البريطانيين بأن الكونغو لا تصطف حصريًا مع واشنطن، وجذب استثمارات بريطانية جديدة في قطاعات الطاقة والمعادن والبنية التحتية.

والتقى الوفد بمسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية، وممثلين عن شركات كبرى مثل Vitol وصندوق Helios Partners، في خطوة تُعد جزءًا من استراتيجية أوسع لخلق توازن جيوسياسي واقتصادي.

جاءت الزيارة في وقت حساس سياسيًا، حيث تتهيأ كينشاسا لتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة.

وسعى الوفد الكونغولي في لندن، والذي ضم شخصيات ذات صلة مباشرة بالرئيس، إلى إقناع المسؤولين البريطانيين بعدم حصرية هذا الاتفاق، وفتح الباب لتوسيع استثمارات المملكة المتحدة في البلاد.

الفاعلون الرئيسيون في الوفد هم جاك تشيسكيدي، شقيق الرئيس وفاعل محوري في كواليس السلطة، ووني كانكو شيكو، رجل أعمال وابن عم الرئيس، يمثل واجهة للاستثمارات الخاصة، وسيرج تشيبانغو، مستشار سابق للرئيس أُقيل رسميًا في 2024، لكنه يواصل نشاطه خلف الكواليس، وله علاقات عميقة في واشنطن ودوائر النفوذ الأوروبي.

الوفد اجتمع مع تيفاني سادلر (المبعوثة البريطانية لمنطقة البحيرات العظمى) واللورد راي كولينز (وكيل الخارجية لشؤون أفريقيا)، كما التقى ممثلين عن صندوق الاستثمار البريطاني BII، وشركات خاصة لها نشاط حيوي في إفريقيا.

التكتيك الدبلوماسي

تحرص كينشاسا على تجنب الانزلاق إلى محور استراتيجي واحد، في وقت تشهد فيه أفريقيا تنافسًا شديدًا بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي)، وتسعى الكونغو إلى تنويع شراكاتها لتقليل المخاطر السياسية والاقتصادية على المدى المتوسط.

وتعتزم إدارة تشيسكيدي تنظيم جولات مماثلة في باريس وبرلين وبروكسل، بالتوازي مع زيارة وفد رسمي إلى واشنطن في نهاية تموز/ يوليو 2025، يتبعها حفل توقيع ثلاثي في البيت الأبيض على اتفاقية سلام مع رواندا، برعاية أمريكية.

اللعب على التوازنات الكبرى

التحركات الكونغولية الأخيرة تعكس تطورًا نوعيًا في نهج السياسة الخارجية لفيليكس تشيسكيدي، الذي يحاول الإفلات من تقليدية الارتهان لمظلة واحدة عبر تنويع شراكات بلاده، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة ونظام عالمي يعاد تشكيله.

من خلال فتح قنوات موازية مع لندن، وتهيئة مسار للتقارب مع باريس وبرلين، يسعى تشيسكيدي لإقناع الشركاء الغربيين بأن الاتفاق مع واشنطن لا يعني انغلاقًا دبلوماسيًا.

هذه المناورة تهدف إلى تعزيز موقع الكونغو التفاوضي مع الأمريكيين من جهة، وإلى استقطاب استثمارات أوروبية تُخفف من وطأة الاعتماد على شريك واحد.

العائلة في السياسة الخارجية

وجود شقيق الرئيس وابن عمه ضمن الوفد الرسمي يُسلّط الضوء على طبيعة السلطة في كينشاسا، حيث تتداخل المصالح العائلية مع التوجهات الدبلوماسية.

هذا النمط من “الدبلوماسية العائلية” ليس جديدًا في أفريقيا، لكنه يشير إلى مركزية القرار ضمن دائرة ضيقة تحكم علاقات الدولة الخارجية والاستثمارية.

عودة سيرج تشيبانغو

إقالة تشيبانغو في 2024 لم تُنهِ نفوذه، بل يبدو أنه عاد ليؤدي دورًا غير رسمي أكثر تأثيرًا. علاقاته في واشنطن ولندن تُستخدم اليوم لإعادة بناء الجسور مع الغرب، في لحظة يُراد فيها للكونغو أن تتحول إلى محور استقرار في منطقة البحيرات العظمى.

الترتيب الإقليمي تحت عباءة أمريكية

الاتفاق المزمع توقيعه بين الكونغو ورواندا بوساطة أمريكية يهدف إلى تهدئة أحد أخطر بؤر النزاع في أفريقيا، ما يمنح إدارة ترامب انتصارًا دبلوماسيًا يُروَّج له داخليًا، ويمنح كينشاسا دفعة شرعية دولية.

لكن، في المقابل، تُخاطر الكونغو بالارتهان لأجندة واشنطن في حال لم تُنجح استراتيجيتها التوازنية مع أوروبا.

جمهورية الكونغو الديمقراطية، الغنية بالكوبالت والليثيوم والمعادن النادرة، أصبحت مسرحًا للتنافس الاقتصادي العالمي، حيث تسعى الدول الغربية إلى تقليص اعتمادها على الصين عبر بوابة أفريقيا.

في هذا السياق، تتنافس شركات مثل Vitol وHelios على موطئ قدم في قطاع الطاقة والمعادن، بدعم غير معلن من حكوماتها.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى