شؤون تحليلية عربية

“ملك النفط”.. اغتيال قيادي عراقي مرتبط بإيران في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد

شهدت بلدة جرف الصخر جنوب بغداد -قبل أيام- عملية اغتيال غامضة طالت شخصية قيادية تُعرف بـ “أبو سيف”، المسؤول الأول عن إدارة الأنشطة التجارية المتعلقة بالنفط الخام المهرب، وتكريره، وبيع مشتقاته لصالح ميليشيات عراقية موالية لإيران، وفق مصادر ومسؤولين محليين تحدثوا لصحيفة الشرق الأوسط.

مسيرة “أبو سيف”

أبو سيف بدأ مسيرته كواحد من عناصر ميليشيا “جيش المهدي” قبل أن ينشق وينضم إلى فصائل أخرى باتت اليوم قوية.

خلال السنوات العشر الماضية، أصبح نقطة مركزية لإدارة عمليات خاصة للفصائل المسلحة، مع إنشاء شبكة مصالح مع وسطاء من محافظات شمال وغرب العراق، لتغطية أنشطته فيما يعرف بـ “سوق الظل الكبير” للنفط العراقي.

شبكة “أبو سيف” النفطية

شبكة أبو سيف تسيطر على مجموعة من المصافي المتنقلة أو “الأفران”، التي تنتج مشتقات نفطية من النفط الخام المستخرج من ثقوب غير نظامية في أنابيب النفط.

هذه الأفران بسيطة ومرنة، تشمل صهاريج التسخين، أبراج التقطير المصغرة، نظام تبريد، وخزانات جمع المشتقات النهائية، والتي تنتج بنزين، كيروسين، ديزل، وزيوت ثقيلة.

شبكة أبو سيف تنقل المنتجات المكررة بصهاريج خاصة -لا تحمل وثائق رسمية- إلى مصافٍ أهلية أو مؤسسات حكومية مثل معامل الأسفلت.

وفي الظروف الطبيعية، يتطلب الأمر “برقيات” لتجاوز نقاط التفتيش، لكن أبو سيف كان يمتلك نفوذًا كافيًا لتسهيل النقل بدون اعتراض الجهات الأمنية.

العشرات من المقاولين والوسطاء يشكلون جيش العملاء الذي ينفذ كل المراحل، بدءًا من تشغيل الأفران ونقلها، وصولًا إلى التوزيع النهائي، مع نشاط كبير في شمال وغرب العراق.

قبل اغتياله، أتم أبو سيف صفقة ضخمة ببيع نحو 600 ألف طن من المنتجات النفطية بقيمة 120 مليون دولار، نصفها للسوق المحلية، والنصف الآخر لشبكات إقليمية تمزج النفط مع نفط إيراني لتصديره بوثائق شحن مزيفة.

نشاطه العسكري

مع تصاعد الحرب على إيران، تورط أبو سيف في أنشطة عسكرية، بما يشمل عمليات مسيّرات ملغمة من جرف الصخر، مما يعكس قدرة الفصائل على إنشاء إمبراطورية شبه متكاملة تضم: مخازن صواريخ ومسيّرات، ومعامل لاختبار وصناعة المتفجرات المحلية

  • مزارع وبحيرات أسماك، ومصافي متنقلة، ومراكز قيادة ومعلومات، وسجونا محصنة.

تعمل هذه الإمبراطورية كمقرات بديلة لوحدات حزب الله اللبناني ومستشاري الحرس الثوري الإيراني.

من يقف وراء الاغتيال؟

العملية الغامضة جرت على خلفية الحرب الإقليمية على إيران، ويعتقد أن الولايات المتحدة أو إسرائيل نفذت العملية بعد مراقبة دقيقة وتحليق مكثف للطيران العسكري فوق العراق منذ 28 فبراير 2026، مستهدفة إسرائيل قادة مرتبطين بالأنشطة الاقتصادية والعسكرية للفصائل الموالية لإيران في المنطقة، ما يعكس أهمية جرف الصخر كمركز استراتيجي اقتصادي وعسكري.

منذ 2014، تحولت البلدة إلى معقل للفصائل الشيعية، بعد طرد عناصر داعش وتهجير نحو 120 ألف مدني، وتحويل المزارع إلى مواقع لتخزين الأفران والمعدات، وتشغيل شبكة معقدة من العاملين والخبراء النفطيين.

الاقتصاد الموازِي للفصائل العراقية لفت اهتمام الولايات المتحدة منذ 2018، مع فرض عقوبات على شخصيات وشبكات عراقية متهمة بتهريب النفط الإيراني وخلطه بالنفط العراقي، أبرزها “سالم أحمد سعيد ووليد خالد حميد السامرائي”.

الدلالات

اغتيال “ملك النفط” يوضح حجم التشابك بين الاقتصاد والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، وكيف تمكنت هذه الفصائل من بناء شبكة شبه دولة داخل الدولة العراقية، تجمع بين النفوذ الاقتصادي والتأثير العسكري والاستخباراتي.

أبو سيف لم يكن مجرد تاجر نفط؛ بل كان محورًا استراتيجيًا في تنظيم الفصائل العراقية، معقدًا دوره بحيث ضم تجارة النفط المهرب، المصافي المتنقلة، شبكة العملاء والمقاولين، مع مهام عسكرية تضمنت عمليات مسيّرات ملغمة.

هذا التداخل بين الاقتصاد والحرب يجعل القضاء عليه هدف أساسي لضرب القدرة اللوجستية للفصائل.

جرف الصخر يظهر اليوم كـ مقر إقليمي بديل للحرس الثوري وحزب الله، بما يتيح للفصائل الموالية لإيران الاحتفاظ بقواعد محصنة لإدارة الاقتصاد الموازي والأنشطة العسكرية بعيدًا عن الرقابة المباشرة للحكومة العراقية.

عملية الاغتيال تكشف ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل على هذه الشبكات الاقتصادية والعسكرية، ضمن استراتيجية تهدف إلى تفكيك الاقتصاد الموازي، تقليل نفوذ إيران، والحد من قدرة الفصائل على تنفيذ عمليات عسكرية مستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى