نواكشوط ترسّخ سياسة الحياد وتكثّف مراقبة الحدود وسط اضطرابات الساحل
أكدت السلطات الموريتانية، عبر تصريحات رسمية متكررة، التزامها بأولوية الاستقرار الداخلي واعتماد سياسة الحياد الإقليمي وعدم الانخراط في أزمات دول الجوار، وذلك في ظل تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في محيطها الإقليمي، لا سيما في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. ويأتي هذا الموقف في سياق خطاب رسمي يهدف إلى طمأنة الداخل وتوجيه رسائل محسوبة للخارج بشأن ثوابت السياسة الموريتانية.
وتصدّرت هذا التوجه تصريحات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى جانب مواقف عبّر عنها وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك وعدد من المسؤولين الحكوميين في مناسبات مختلفة، حيث شددوا على أن موريتانيا لن تكون طرفًا في أي محاور إقليمية متصارعة، وأن أمنها الوطني يقوم على ضبط الحدود، وتعزيز التماسك الداخلي، وتفادي استيراد الأزمات من دول الجوار التي تشهد اضطرابات سياسية وأمنية متواصلة.
وتزامن هذا الخطاب السياسي مع تحركات دبلوماسية هادئة واتصالات إقليمية غير معلنة، هدفت إلى شرح الموقف الموريتاني لشركاء إقليميين ودوليين، خصوصًا في ظل تزايد المخاوف من تمدد تداعيات أزمات مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتجاه الحدود الموريتانية. وتشير معطيات متداولة إلى أن نواكشوط حرصت على إيصال رسائل تطمين إلى كل من السنغال والمغرب والجزائر، مفادها أن مقاربتها تقوم على الاستقرار الوقائي لا على الانخراط السياسي أو الأمني المباشر.
وبحسب تسريبات محدودة من دوائر قريبة من صنع القرار، فإن هذا الخطاب لا يقتصر على كونه موقفًا إعلاميًا، بل يعكس نقاشًا داخليًا معمقًا داخل مؤسسات الدولة حول كيفية حماية البلاد من ارتدادات الفوضى الإقليمية دون استنزاف سياسي أو أمني. وتُظهر هذه التسريبات وجود توافق داخل النخبة الحاكمة على أن الحياد الإيجابي بات خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، لا موقفًا ظرفيًا.
ويرتبط هذا التوجه أيضًا بالوضع الداخلي، إذ تسعى السلطات إلى تحصين الجبهة الاجتماعية والسياسية، ومنع أي توظيف للأزمات الإقليمية في تأجيج توترات داخلية، خاصة في ظل تحديات اقتصادية ومعيشية قائمة. ويُفهم التركيز على الاستقرار بوصفه رسالة مزدوجة، موجهة للشارع بأن الدولة تعطي الأولوية للأمن والتنمية، وللشركاء الخارجيين بأن موريتانيا ليست ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية.
ويعكس هذا النهج إدراكًا موريتانيًا بأن الحفاظ على مسافة متوازنة من أزمات الجوار يمنح البلاد هامش مناورة سياسيًا وأمنيًا أوسع، ويعزز صورتها كدولة مستقرة نسبيًا في محيط مضطرب. كما يظهر أن نواكشوط تراهن على الدبلوماسية الهادئة والخطاب المتزن كأدوات أساسية لإدارة المخاطر، بدل الانخراط في سياسات قد تحمل كلفة عالية على المدى المتوسط والطويل.
دلالات الموقف الموريتاني وأبعاده الاستراتيجية
يشير تكرار الخطاب الرسمي حول الاستقرار والحياد إلى انتقال الموقف الموريتاني من ردّ فعل ظرفي إلى عقيدة سياسية ثابتة، صيغت على ضوء قراءة دقيقة لتحولات الإقليم ومخاطر الانجرار إلى صراعات تتجاوز القدرة الوطنية على الاحتمال. ويعكس تأكيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ووزير خارجيته على هذا النهج وجود إجماع داخل هرم السلطة، ما يقلل احتمالات التذبذب السياسي، ويمنح الرسائل الموجهة للخارج مصداقية أعلى في بيئة إقليمية تتسم بتقلب المواقف.
ولا يعني الحياد الموريتاني انسحابًا من الإقليم، بل إدارة محسوبة للعلاقات تسمح بالتواصل مع مختلف الأطراف دون التورط في اصطفافات، وهو ما يعزز دور نواكشوط كقناة تواصل مقبولة بدل كونها طرفًا صداميًا. وتوحي تسريبات النقاشات الداخلية بقلق حقيقي من انتقال عدوى عدم الاستقرار، لا سيما عبر الحدود الشرقية، وهو ما يفسر الربط المتكرر في الخطاب الرسمي بين الأمن الداخلي والسياسة الخارجية.
كما يعكس توجيه رسائل تطمين إلى دول مثل الجزائر والمغرب والسنغال إدراكًا بأن الاستقرار الوطني مرتبط باستقرار الجوار المباشر، وأن أي سوء فهم سياسي قد ينعكس أمنيًا أو اقتصاديًا. ويخاطب هذا الخطاب الداخل بقدر ما يخاطب الخارج، إذ يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية ومنع توظيف الأزمات الإقليمية في تأجيج اصطفافات سياسية أو اجتماعية داخلية، في وقت تدرك فيه القيادة أن أي انخراط إقليمي مكلف قد يضغط على موارد محدودة ويهدد برامج التنمية الجارية.
وفي المحصلة، تعكس السياسة المعلنة خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد يقوم على تقليل المخاطر لا تعظيم النفوذ، ويمنح نواكشوط قدرة أكبر على التكيّف مع تغير موازين القوى في الساحل، مع الحفاظ على صورتها كدولة استقرار نسبي في محيط إقليمي شديد الاضطراب.




