شؤون تحليلية دولية

المصالح الإثيوبية في السودان وتداعياتها الإقليمية: قراءة في التحالفات والأدوار غير المباشرة

يمثل التداخل الجغرافي والسياسي بين إثيوبيا والسودان عنصرًا أساسيًا في صياغة السياسات الإقليمية لدول القرن الأفريقي، ومع تصاعد الأزمات الداخلية في السودان، خاصة بعد اندلاع الصراع المسلح بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، ظهرت بوادر دعم إقليم دولي خفي للميليشيا وعلى رأسها إثيوبيا؛ بغية تأجيج أو توظيف هذا الصراع لخدمة أهدافها الاستراتيجية.

ولا تقتصر هذه المصالح على الجوانب العسكرية فحسب، بل تمتد إلى ملفات الأمن المائي، والتجارة، والنفوذ السياسي، وتثبيت الحلفاء، وتحييد الخصوم الإقليميين.

التحالف الإثيوبي الإماراتي والبنى التحتية

خلال العامين الماضيين ظهرت علاقات وثيقة بين إثيوبيا والإمارات؛ ففي عام 2023 مثلاً، استضافت إثيوبيا الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ووقعت معه 17 اتفاقية في مجالات التجارة والاستثمار والبنى التحتية.

كما أبرم الطرفان مذكرة تفاهم في يناير 2024 تتيح لأديس أبابا السيطرة على شريط ساحلي في منطقة صوماليلاند في دولة الصومال الفيدرالية.

هذه الاتفاقات تأتي ضمن استراتيجية أوسع تربط مصالح إثيوبيا بممرات نقل إقليمية وبفتح طرق بديلة للموانئ (بعد اعتمادها تاريخياً على جيبوتي)، كما تؤمن لها بدائل للوصول إلى البحر الأحمر.

وبفضل الدعم الاقتصادي الإماراتي والتقني، ارتفعت حصة المشروعات الإماراتية في إثيوبيا، لا سيما في الزراعة والطاقة والنقل.

الأهداف الإستراتيجية الإثيوبية في السودان

تسعى إثيوبيا إلى تحقيق مصالح استراتيجية كبرى عبر تفعيل دورها في السودان، ومن أهم هذه المصالح تأمين طرق التجارة والمواصلات الحيوية؛ فقد أكدت دراسات مستقلة أن من أولويات أديس أبابا تأمين ممرات نقل مستقرة إلى البحر الأحمر والبحار الدافئة، وذلك لضمان تصدير وارداتها واستيراد بضائعها دون قيود.

فالتواجد الإقليمي للإمارات في الموانئ والصومال وإثيوبيا يفتح لإثيوبيا منافذ جديدة، ويخفف اعتمادها التاريخي على ميناء جيبوتي.

بالإضافة إلى ذلك، تُعنى إثيوبيا بحماية حدودها الغربية وتفادي تشكيل أي تحالفات معادية عليها، فعلى سبيل المثال، هناك توتر مستمر حول منطقة “الفشقة” الحدودية الخصبة، والتي يقتات عليها مزارعون إثيوبيون وسودانيون.

وقد اتهم مسؤولون سودانيون في يوليو 2025 إثيوبيا بدعم ميليشيات أثيوبية لطرد مزارعين سودانيين من الفشقة، في محاولة لاستعادة السيطرة على الأرض الخصبة.

وقد نفت إثيوبيا رسمياً تلك الاتهامات، مؤكدة تمسكها بالحوار لحل الخلاف، لكن الحادثة عكست مدى حساسية إثيوبيا تجاه أي تهديد لتواجدها في حدودها الغربية.

من ناحية أخرى، يسعى النظام الإثيوبي لمنع استخدام الأراضي السودانية كقاعدة خلفية للفصائل المسلحة المعادية.

فعلى مر السنوات، لم يشارك السودان بشكل مباشر في القتال ضد جبهة تحرير تيغراي خلال الحرب الأهلية الإثيوبية (2020–2022)، لكنه وفّر ملاذًا لآلاف اللاجئين والمقاتلين الفارين من الإقليم، لا سيما في ولايتي القضارف وكسلا.

كما أعاد الجيش السوداني في تلك الفترة انتشاره في منطقة الفشقة الحدودية، ما فُسّر من قبل أديس أبابا كمناورة عسكرية استغل فيها السودان انشغال إثيوبيا بالحرب.

وقد اتهمت الحكومة الإثيوبية الخرطوم بتوفير تسهيلات لوجستية ودعم لعناصر تيغراي داخل الأراضي السودانية، الأمر الذي ساهم في توتر العلاقات بين البلدين.

وتقدّر إثيوبيا أن أي دعم سوداني متجدد لقوات تيغراي، أو تحالف محتمل بينهما، سيشكل خطراً مباشراً على أمنها الداخلي، لذا تحاول إثيوبيا تحييد هذا الخطر عبر إشغال الجيش السوداني بملفات أخرى، وعدم تركه يركز على حدودها، وهذا ما يتجلى في سياستها الحالية التي ربما تستغل فيها التوتر الداخلي السوداني مع الدعم السريع لتبقي الجيش السوداني مشغولاً بأزمته المحلية.

الدعم الإثيوبي لقوات الدعم السريع

في العامين الأخيرين، شهد النشاط العسكري الإثيوبي في مناطق الحدود مع السودان تصعيداً ملفتاً، فقد سمحت السلطات الإثيوبية بتشكيل معسكرات تدريب لـ “الدعم السريع” وبعض المرتزقة الأجانب داخل إقليم بني شنقول–غومز الغربي الإثيوبي القريب من الحدود السودانية.

ووفقاً لمصادر حكومية سودانية، فإن هذه المعسكرات التي يشرف عليها ضباط إثيوبيون يتلقّى فيها الأفراد تدريبات عسكرية مكثفة بدعم إماراتي، حيث تسير خطوط إمداد من موانئ بربرة (أرض الصومال) ومومباسا (كينيا) عبر أديس أبابا إلى معسكرات في بنشقول.

وذكرت التقارير أن من بين المتدربين مقاتلون من دول أخرى (كولومبيا، جنوب السودان، وتشاد)، إضافة إلى جنود من “الدعم السريع” أنفسهم الذين انسحبوا من مواقع القتال في السودان.

كما أفادت مصادر سودانية بأن ميليشيا “الحلو” المتحالفة مع الدعم السريع تتمركز أيضاً على الحدود قرب إثيوبيا، وقد سُلّمت مؤخراً طائرات مسيرة هجومية من قواعد في إثيوبيا استُخدمت لضرب مواقع حكومية في مناطق النيل الأزرق.

وبحسب تقارير، فإن المخابرات العسكرية السودانية رصدت عمليات تسلل لعناصر من “الدعم السريع” وحركة عبد العزيز عبر إقليم بني شنقول-غومز الإثيوبي إلى داخل ولاية النيل الأزرق نهاية يناير 2026.

وأكدت مصادر عسكرية أن طائرات مسيّرة أطلقت في هذه الهجمات انطلقت من قواعد في بني شنقول تحت إشراف إماراتي. وقد اعتبر الجيش السوداني ذلك بمثابة “غزو خارجي” بدعم إثيوبي وإماراتي.

بُعد تيغراي وتوازن القوى الداخلية

تلعب الحرب في تيغراي (شمال إثيوبيا) دورًا هامًا في تفسير تحرك إثيوبيا تجاه السودان؛ فبعد اتفاق بريتوريا لإنهاء حرب 2020، ظلت إثيوبيا تترقب أي تطور قد يُحسب لصالح جبهة تحرير تيغراي.

وبحسب تقارير محلية، فقد قام الجيش السوداني، بتنسيق مع إريتريا، بتجنيد وتدريب مقاتلين من الجبهة التغرية مقابل نشرهم على الحدود الشرقية للسودان.

وقد أبدت أديس أبابا قلقها من هذا الدعم، ما دفعها إلى إعادة تقييم مواقفها، واتهام الخرطوم بالمسّ بأمنها الداخلي.

في هذا السياق، يُنظر إلى دعم إثيوبيا المحتمل لميليشيات الدعم السريع على أنه محاولة لإلهاء السودان، فعندما ينشغل الجيش السوداني بالتصدي لهجمات الدعم السريع في دارفور والنيل الأزرق، يقل احتمال تسليمه الدعم لقوات تيغراي.

وقد صرح محللون بأن إشغال السودان بمعاركه الداخلية يرجع جزئياً إلى استراتيجية أديس أبابا للتعامل مع تهديد تيغراي من الخلف.

بمعنى آخر، قد يكون هدف أديس أبابا الحقيقي هو تبديد جهود الجيش السوداني وإضعاف أي تنسيق بين الخرطوم وجبهتي حربها الداخلية (تيغراي وأمهرا)، مما يتيح لها التركيز على ساحات قتال تيغراي دون معوّقين خارجيين.

الأهداف النهائية لإثيوبيا من دعم الميليشيات

تتبلور الغاية النهائية لإثيوبيا من هذه التحركات حول تحقيق مكاسب إستراتيجية واقتصادية وتسهيل مصالحها الإقليمية.

أولاً، فإنها تريد ضمان مركز نفوذ قوي في شرق السودان يُبعد أي دعم فوري لقوى معادية لها داخل الأراضي السودانية، أو تهديد لتوازن القوى.

ويتم ذلك عبر إقامة مناطق نفوذ أو حلفاء ودودين (مثل ميليشيات حميدتي) على الحدود الشمالية الغربية.

ثانياً، يشكل الوصول الآمن للموانئ البحرية هدفاً استراتيجياً، لذا فإن تماهي أديس أبابا مع المشاريع الإماراتية (كالتحكم بشريط ساحلي في أرض الصومال) يدعم أفقها البحري.

ثالثاً، فإن وجود السودان في فلكها يمكّنها من تأمين طرق التجارة والموارد الغذائية؛ فقد استثمرت الإمارات بكثافة في الزراعة السودانية، بينما تعتمد إثيوبيا على هذا المورد كمصدر احتياطي غذائي، مما يجعل استقرار الأوضاع هناك قضية ذات أهمية قصوى.

ختامًا: إثيوبيا “تلعب لعبة طويلة الأمد” تقوم على الدبلوماسية والصبر الإستراتيجي في الحفاظ على مصالحها، فهي تحرص على عدم التصعيد المباشر الذي قد يربك خططها، لكنّها في الوقت نفسه تحرك أوراقها الإقليمية بحذر.

فإلى جانب اللجوء إلى قنوات التحالف مع الإمارات والتقارب مع بعض الفصائل السودانية المتمردة، تسعى أديس أبابا إلى أن تظل في موقع قوة يسمح لها بتأمين حدودها الوطنية وتعزيز مكانتها الإقليمية، دون استنزاف قواتها في معارك لا تخدم أهدافها الأساسية.

وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار أن هدف إثيوبيا النهائي يتمثل في حماية نظامها الداخلي وتعظيم نفوذها الإقليمي، بغية تأمين الاقتصاد (من خلال الاتصالات التجارية والموانئ) واستقرار البلد مقابل أي تهديدات قد تأتي من النهرين (النيل وتيغراي) أو من تطورات إقليمية أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى