شؤون تحليلية دولية

تركيا ترفع سقف الردع في شرق المتوسط بنشر منظومات دفاع جوي متقدمة في شمال قبرص

باشرت تركيا خلال الأيام الأخيرة نشر منظومات دفاع جوي متقدمة في مناطق متعددة من شمال قبرص، ضمن بنية متكاملة تقوم على الربط الشبكي بين الرادارات وأنظمة الاعتراض ومراكز القيادة والسيطرة، في خطوة تُعد الأوسع من نوعها منذ سنوات على الجزيرة، وتعكس انتقال أنقرة من مرحلة المراقبة إلى ترسيخ معادلة ردع فعّالة.

وشمل الانتشار إدخال منظومات Hisar بمختلف فئاتها إلى الخدمة الميدانية، بعد مرحلة سابقة جرى خلالها تشغيل منظومة Korkut، مع تمركز مقر بطارية القيادة الرئيسية في مدينة غيرنه. وتُدار هذه المنظومات عبر نظام القيادة والسيطرة Hakim-100، الذي يعمل كعقل مركزي يربط جميع عناصر الدفاع الجوي ضمن شبكة واحدة متكاملة.

وتعتمد المنظومة القيادية على دمج الرادارات وأجهزة الاستشعار والمنصات النارية في شبكة موحدة، بما يتيح إنشاء صورة جوية لحظية وتصنيف الأهداف بشكل تلقائي، وإصدار أوامر الاشتباك خلال ثوانٍ مع منع التداخل بين وحدات الإطلاق المختلفة، إلى جانب مستوى عالٍ من مقاومة الحرب الإلكترونية والتشويش.

ضمن البنية الرادارية، جرى تشغيل شبكة تغطية واسعة شملت رادار TRS-22XX بمدى يصل إلى 500 كلم والمتمركز في جبال بسبارماك، ورادار STR-700G بمدى 250 كلم في منطقة غونيلي. كما تم نشر رادارات إضافية، من بينها Serhat II / STR-400G بمدى 25 كلم، وKalkan II بمدى 120 كلم، إلى جانب رادارات وأنظمة Korkut بمدى 70 كلم، وجميعها مرتبطة مباشرة بالشبكة المركزية داخل الأراضي التركية.

وتُعد منظومة Hisar-O العمود الفقري للدفاع الجوي متوسط المدى، إذ تمتلك رادارًا عضويًا بمدى تغطية يصل إلى 120 كلم، مع قدرة تشغيل مستقلة دون الحاجة إلى دعم خارجي. كما أنها مزودة بصواريخ بمديات مختلفة تتراوح بين 15 و25 و40 كلم، وتتميز بدقة إصابة عالية ومقاومة قوية للتشويش الإلكتروني، بما يتيح لها اعتراض الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها، والذخائر المتسكعة، والمروحيات والطائرات، إضافة إلى الصواريخ في مراحلها النهائية.

وبالتوازي، جرى دمج أنظمة الحرب الإلكترونية ضمن الشبكة الدفاعية، وتشمل منظومة VURAL القادرة على تنفيذ هجمات تشويش واسعة ضد الرادارات وشبكات الاتصال وتعطيل أنظمة القيادة والسيطرة، ورصد محطات الراديو المعادية، إضافة إلى منظومة PUHU 3-LT المتخصصة في كشف وتتبع وتحديد مواقع الاتصالات اللاسلكية، بما يشمل شبكات VHF وUHF.

ميدانيًا، شمل الانتشار عددًا كبيرًا من الوحدات والمركبات، من بينها قواذف صواريخ Hisar، ومنظومات Korkut، ومركبات قيادة وسيطرة، ومركبات نقل وإعادة تلقيم الصواريخ، ومركبات استشعار كهروبصرية، ومركبات توجيه نيران، إلى جانب مركبات جر رادارات Kalkan II.

وجاء هذا التحرك التركي في أعقاب خطوة يونانية تمثلت بتوسيع المجال البحري إلى ستة أميال، ضمن مسار أوسع شاركت فيه إسرائيل واليونان وقبرص خلال الفترة الماضية، بهدف فرض واقع جديد في شرق المتوسط، سواء على المستوى البحري أو الجوي.

وفي هذا السياق، كانت تركيا قد أنهت مرحلة طويلة من الانشغال بحدودها الجنوبية والشرقية، بعد ترتيب ملفاتها مع سوريا والعراق وتقليص مستوى التهديد هناك. ومع تراجع ضغط هذه الجبهات، أعادت أنقرة توجيه تركيزها نحو ملف شرق المتوسط، الذي بات يتصدر أولويات صانع القرار التركي بعدما كان مؤجلًا بفعل اعتبارات أمنية سابقة.

بهذا المعنى، يحمل هذا الانتشار رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن تركيا لن تسمح بقيام تحالفات إقليمية تسعى إلى إقصائها عن معادلات المتوسط، وأن أي محاولة لتغيير الواقع البحري أو الجوي ستقابل بمتابعة مباشرة وتصرف محسوب. وتؤكد أنقرة، من خلال هذه الخطوة، أنها فاعل رئيسي في المنطقة، وأن حضورها لم يعد هامشيًا، بل بات عنصرًا حاسمًا في فرض التوازن وحماية المصالح واحتواء أي مساعٍ للهيمنة أو فرض أمر واقع جديد في شرق المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى