شؤون تحليلية عربية

مع مرور أسبوع على توقف الغاز الإيراني.. كيف يبدو المشهد الخدمي والسياسي في العراق؟

مع مرور أسبوع على إعلان وزارة الكهرباء العراقية توقف إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من إيران بشكل كامل، تظهر انعكاسات ذلك جليًا في العراق على كافة المستويات.

وأدى توقف الغاز الإيراني إلى فقدان نحو 4 آلاف إلى 4,500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية المنتَجة، وانعكس مباشرة على ساعات تجهيز الكهرباء في عدد من المحافظات.

وقالت الوزارة إن التوقف جاء دون إشعار مسبق من الجانب الإيراني، مؤكدة أن الحكومة العراقية تجري اتصالات عاجلة لمعالجة الأزمة وضمان استقرار المنظومة الكهربائية، خصوصًا مع ارتفاع الطلب خلال فصل الشتاء.

الاعتماد العراقي على الغاز الإيراني

ويعتمد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل عدد من محطات توليد الكهرباء، ما يجعل هذا التوقف أحد أبرز التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الحكومة في المرحلة الحالية.

هذا الاعتماد جعل ملف الطاقة مرتبطًا بشكل مباشر بالتوازنات السياسية والإقليمية، خصوصًا في ظل العقوبات الأميركية على إيران والضغوط المتواصلة على بغداد لتقليل هذا الاعتماد.

ويحمل توقف الغاز أبعادًا تتجاوز الجانب الخدمي، إذ يضع الحكومة العراقية تحت ضغط شعبي وسياسي داخلي، خاصة أن الكهرباء تمثل ملفًا حساسًا للرأي العام، ويكشف هشاشة أمن الطاقة في العراق، واعتماده على قرارات خارجية، كما يمنح بعض القوى السياسية فرصة لمهاجمة الحكومة أو المطالبة بإعادة صياغة سياسات الطاقة والعلاقات الإقليمية.

هشاشة القرار السياسي العراقي

لا يمكن النظر إلى توقف إمدادات الغاز الإيراني عن العراق بوصفه حدثًا تقنيًا أو ظرفيًا فحسب، بل هو مؤشر سياسي واضح على هشاشة القرار السياسي العراقي وارتهانه للتوازنات الإقليمية.

فالخبر، رغم طابعه الخدمي، يحمل في جوهره أبعادًا سيادية تتجاوز مسألة الكهرباء إلى طبيعة علاقة العراق مع محيطه الإقليمي والدولي.

يكشف هذا التطور أن أمن الطاقة في العراق ما يزال غير مؤمَّن ذاتيًا، رغم مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي.

إن استمرار الاعتماد على مصدر خارجي واحد، وتحديدًا إيران، يجعل أي قرار أو ضغط سياسي خارجي قادرًا على إحداث أزمة داخلية فورية تمس حياة المواطنين مباشرة، وهو ما يضعف موقع الحكومة في الداخل.

يأتي توقيت الأزمة في مرحلة سياسية حساسة، حيث تسعى القوى السياسية إلى تثبيت مواقعها في مرحلة ما بعد الانتخابات وتشكيل التوازنات الحكومية.

في هذا السياق، تتحول أزمة الكهرباء إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لمساءلة الحكومة أو إضعافها، خصوصًا أن الشارع العراقي لطالما ربط فشل الحكومات المتعاقبة بملف الكهرباء.

على المستوى الإقليمي، يعكس التوقف استمرار استخدام الطاقة كورقة نفوذ سياسي، فإيران، التي تواجه ضغوطًا اقتصادية وعقوبات دولية، تمتلك هامش تأثير كبير على الداخل العراقي عبر هذا الملف، سواء كان التوقف لأسباب فنية أو سياسية.

وفي المقابل، تجد بغداد نفسها عالقة بين التزاماتها تجاه واشنطن وضغوط طهران، دون امتلاك بدائل جاهزة.

داخليًا، تعيد الأزمة طرح سؤال مؤجل: لماذا فشل العراق، وهو من أكبر الدول المنتجة للغاز المصاحب، في تحويل هذا المورد إلى عنصر قوة بدل أن يبقى نقطة ضعف؟ الإجابة ترتبط بسوء الإدارة، والفساد، وتأجيل القرارات الاستراتيجية لصالح حلول مؤقتة تُدار بالأزمات لا بالتخطيط.

يمثل توقف الغاز الإيراني لحظة كاشفة أكثر منه أزمة عابرة. فهو يسلط الضوء على أزمة أعمق في بنية الدولة العراقية، حيث تتقاطع السياسة بالخدمات، والسيادة بالاحتياجات اليومية.

وإذا لم يُتعامل مع هذا الحدث بوصفه إنذارًا استراتيجيًا، فإن العراق سيبقى عرضة لتكرار أزمات مشابهة، مهما تغيّرت الحكومات أو تبدلت الوعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى