خامنئي يعين قيادات جديدة للجيش الإيراني ويجري إعادة هيكلة واسعة النطاق
أجرى المرشد الإيراني، “علي خامنئي”، تغييرات في قيادات كبار ضباط الجيش، المسؤولين عن القوات الجوية والدفاع الجوي، في خطوة تشير إلى تفضيل شخصيات عملية ومنخفضة الظهور، بعد خسائر الحرب وتصاعد المخاوف من صراع جديد مع إسرائيل.
وفي سلسلة من القرارات، التي أصدرها “خامنئي”، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، تم تعيين قادة جدد في مناصب حساسة داخل الجيش النظامي، لا سيما في القوات الجوية وهيئات الدفاع الجوي.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وقلق واسع من احتمال اندلاع حرب جديدة، وهو ما يقول محللون إنه ساهم في الانخفاض الحاد الأخير للعملة الإيرانية.
القادة الجدد
في وقت سابق هذا الأسبوع، عيّن “خامنئي” العميد “بهمن بهمرد” قائدًا جديدًا للقوات الجوية للجيش، خلفًا للعميد “حميد وحيدي”.
وكان “بهمرد” قد شغل منذ 2023 منصب نائب رئيس العمليات المؤقت في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وتولى فعليًا هذا الدور بعد مقتل نائب رئيس العمليات السابق، اللواء “مهدي رباني”، خلال الهجمات الإسرائيلية.
وعلى الرغم من خبرته العملية الرفيعة، بقي “بهمرد” شخصية منخفضة الظهور ضمن المؤسسة العسكرية الإيرانية، مع بروز إعلامي محدود مقارنة ببعض من سبقه.
ويبدو أن تعيينه يشير إلى تفضيل الكفاءات الفنية والعملية على الظهور الإعلامي في وقت حساس لقدرات إيران الجوية.
وفي الوقت نفسه، تم تعيين العميد “علي رضا إلهامي” قائدًا للقيادة المشتركة للدفاع الجوي “خاتم الأنبياء” وقوات الدفاع الجوي في الجيش.
وكان “إلهامي” قد قاد سابقًا جامعة الدفاع الجوي “خاتم الأنبياء”، ويُعتبر أيضًا شخصية غير معروفة خارج الأوساط العسكرية، مع قضاء معظم مسيرته المهنية في التدريب والتخطيط العملياتي أكثر من المناصب العامة.
وتُعنى القيادة المشتركة للدفاع الجوي “خاتم الأنبياء” بتنسيق الدفاع الجوي الإيراني عبر فروع الجيش المختلفة، ويجب عدم الخلط بينها وبين القيادة المركزية “خاتم الأنبياء”، وهي إحدى ركائز هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المسؤولة عن تنسيق كل القوات العسكرية أثناء الأزمات الكبرى بما فيها الحروب.
وأما القادة الذين تم استبدالهم في هذه المناصب، فقد نُقلوا إلى أدوار يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها استشارية أو شرفية.
فقد تم تعيين “وحيدي” مستشارًا لشؤون الطيران لقائد الجيش، بينما عُيّن العميد “صباحي فرد”، قائد الدفاع الجوي للجيش منذ 2019 وقائد القيادة المشتركة للدفاع الجوي منذ شباط/ فبراير 2025، مساعدًا لقائد الجيش لشؤون الدفاع الجوي.
التغييرات تتجاوز القوات الجوية
توسعت إعادة الهيكلة لتشمل ما هو أبعد من القوات الجوية، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر، تمت إقالة قائد قوات الجيش البرية، العميد “كيومرث حيدري”، واستبداله بالعميد “علي جهان شاهي”، الذي كان نائب رئيس التقييم في القيادة المركزية “خاتم الأنبياء”.
وعُيّن “حيدري” لاحقًا قائدًا بالوكالة للقيادة المركزية “خاتم الأنبياء”، وهو منصب أعلى بكثير.
وشهدت القيادة المركزية نفسها تغييرات كبيرة؛ حيث عُيّن اللواء “علي عبد اللهي” قائدًا في أيلول/ سبتمبر بعد مقتل كل من اللواء “غلام علي رشيد” وخليفته اللواء “علي شادماني”، خلال الهجمات الإسرائيلية، ولم يُعلن عن تعيين “عبد اللهي” رسميًا إلا في أوائل الشهر نفسه.
غياب التعليق الإعلامي
على الرغم من حجم هذه التحولات، قدمت وسائل الإعلام الإيرانية القليل من التعليق أو التحليل، حيث اقتصرت التغطية إلى حد كبير على العناوين التي وصفت التحركات بأنها “تغييرات مهمة”.
واستثنى موقع “خبر أونلاين” ذلك، معتبرًا أن تعيين “علي رضا إلهامي” قائدًا للقيادة المشتركة للدفاع الجوي “خاتم الأنبياء”، وقوات الدفاع الجوي في الجيش يعكس “سياسة الجيش بالاعتماد على قادة ذوي خبرة متخصصة طويلة الأمد”، لافتًا إلى خبرته في التدريب والتخطيط العملياتي ومسيرته منخفضة الظهور.
وقد يشير تأكيد موقع “خبر أونلاين” قلة ظهور “إلهامي” الإعلامي إلى الجدل المحيط بادعاء غير مؤكد خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بأن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت مقاتلة إسرائيلية من طراز F-35، وهو الادعاء الذي تم تداوله على نطاق واسع في الإعلام الرسمي، بما في ذلك هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، ولم يُثبت صحته.
واعترف رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، “بيمان جبلي”، في وقت سابق من شهر كانون الأول/ ديسمبر، بأن بث التقرير الكاذب أضر بمصداقية الهيئة، مضيفًا أن المسؤولين العسكريين قد قدموا تلك المعلومات.
وكان “صباحي فرد”، الذي كان قائد الدفاع الجوي آنذاك، قد ظهر كثيرًا في وسائل الإعلام قبل الحرب، مؤكّدًا قدرة إيران على مواجهة الطائرات المتقدمة مثل F-35، وفي أحد تصريحاته الأخيرة في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وصف الأضرار، التي ألحقتها إسرائيل بالمعدات الإيرانية، بأنها “طبيعية”، وادعى استعادة سريعة لكل من المعدات والكوادر البشرية.
دلالات التعيينات الجديدة في الجيش الإيراني
تعكس التغييرات التي أجراها “علي خامنئي” في قيادات القوات الجوية والدفاع الجوي حالة مراجعة داخلية جدية لأداء الجيش الإيراني، خصوصًا بعد الضربات الإسرائيلية التي أظهرت ثغرات واضحة في منظومة الحماية الجوية وقدرة الردع، هذه القرارات لا تبدو روتينية، بل مرتبطة مباشرة بتجربة ميدانية قاسية.
اختيار قادة جدد منخفضي الظهور الإعلامي وذوي خلفيات تقنية وعملية يشير إلى تحول في أسلوب القيادة، من التركيز على الخطاب الدعائي إلى الاعتماد على الكفاءة التنفيذية، ويبدو أن القيادة الإيرانية باتت ترى أن المبالغة الإعلامية ألحقت ضررًا بالمصداقية أكثر مما حققت ردعًا.
التركيز على الدفاع الجوي يكشف أن التهديد الجوي يُنظر إليه اليوم باعتباره الخطر الأكبر، وأن الإخفاق لم يكن في السلاح فقط، بل في التنسيق والإنذار المبكر وحماية القيادات العليا، وهو ما يفسر تعيين قادة ذوي خبرة في التخطيط والتدريب.
نقل القادة السابقين إلى مناصب استشارية بدل إقالتهم يعكس رغبة في امتصاص الغضب داخل المؤسسة العسكرية والحفاظ على تماسكها، مع توجيه رسالة ضمنية بوجود إخفاق دون الاعتراف به علنًا.
الصمت الإعلامي الرسمي حول هذه التغييرات يشير إلى حساسية المرحلة، ومحاولة تجنب فتح نقاش عام حول الأداء العسكري والأخطاء التي رافقت الحرب، خاصة بعد تضرر مصداقية الإعلام الرسمي بسبب معلومات غير مؤكدة.
في المحصلة، تعكس هذه التغييرات حالة حذر واستعداد دفاعي أكثر من كونها مؤشر قوة، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة ومخاوف حقيقية من تصعيد جديد قد تكون كلفته على إيران أعلى من السابق.




