شؤون تحليلية عربية

تعثّر انطلاق مسار اللجنة الخماسية المعنية بالمسار السياسي السوداني

واجهت اللجنة الخماسية المعنية بالمسار السياسي السوداني أول اختبار عملي لها مع إلغاء اجتماع كان مقررًا عقده في جيبوتي بين 16 و18 ديسمبر، وجمع قوى سياسية سودانية وممثلين عن المجتمع المدني.

الإلغاء لم يكن حدثًا إجرائيًا عابرًا، بل كشف مبكرًا عن هشاشة البنية التنظيمية للجنة، وعمق الانقسامات داخل الأطراف السودانية، وحتى داخل الأطر الإقليمية الراعية للحوار.

ما هي اللجنة الخماسية المعنية بالمسار السياسي السوداني؟

اللجنة الخماسية، التي انضم إليها الاتحاد الأوروبي مطلع ديسمبر بعد فشل اجتماع أكتوبر، تضم الاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي.

وتُقدَّم اللجنة الخماسية بوصفها مظلة للحوار المدني، موازية لمسار المجموعة الرباعية (السعودية، الولايات المتحدة، مصر، الإمارات) التي تركّز على وقف إطلاق النار.

سبب تأجيل الاجتماع الأخير

إن غياب آليات تنسيق واضحة بين مكوّنات اللجنة، وتضارب أدوارها، أضعفا قدرتها على لعب دور جامع.

التنافس البيروقراطي والسياسي بين الاتحاد الأفريقي (برئاسة محمود علي يوسف من جيبوتي) وإيغاد (برئاسة وركنه غيبيهو من إثيوبيا) شكّل أحد العوامل الأساسية في تأجيل الاجتماع.

ورغم أن إيغاد كانت الجهة المكلفة هذه المرة بالتحضير، إلا أن إرسال الدعوات المتأخر، وتضارب الرسائل الصادرة عنها، فتح الباب أمام الشكوك والانسحابات.

وفي النهاية، صدر تبرير رسمي بالتأجيل استنادًا إلى “طلبات بعض المشاركين” لإتاحة وقت أطول للتحضير، مع ترجيح غير مؤكد لاستئناف المشاورات في منتصف يناير.

على المستوى السوداني الداخلي، برزت الانقسامات كعامل حاسم، القوى السياسية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، وعلى رأسها الكتلة الديمقراطية، رفضت بشكل قاطع الجلوس مع تحالف تاسيس، الذي يُنظر إليه بوصفه غطاءً سياسيًا للحكومة المدنية التي شكّلتها قوات الدعم السريع.

في المقابل، رفض حزب صمود (التقدم سابقًا) خوض الحوار منفردًا في مواجهة هذه القوى، أما ائتلاف رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، فقد وضع “خطًا أحمر” واضحًا يتمثل في رفض مشاركة حزب المؤتمر الوطني المحلول أو أي من امتداداته داخل التيارات الإسلامية.

وفي هذا السياق، بادر تحالف تاسيس نفسه إلى مخاطبة إيغاد رسميًا في 11 ديسمبر مطالبًا بتأجيل الاجتماع، ما عكس حجم انعدام الثقة بين الأطراف.

كان من المفترض أن يشمل الحوار أطرافًا إضافية، مثل الحزب الشيوعي، وحزب البعث، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور.

ومع تصاعد الاعتراضات، طُرحت فكرة توسيع التمثيل في الجولة المقبلة لتشمل فئات المجتمع المدني، من شباب ونساء وزعماء قبائل وقيادات دينية، في محاولة لإضفاء شرعية أوسع على المسار، وتعويض عجز النخب السياسية عن التوافق.

بصورة عامة، يعكس تعثر اجتماع جيبوتي أزمة أعمق في المسار السياسي السوداني: غياب إطار جامع مقبول، تضارب المبادرات الإقليمية، وتحوّل الحوار إلى ساحة صراع بالوكالة بين معسكرات داخلية متصارعة، لكل منها داعموه الإقليميون والدوليون.

دلائل فشل الاجتماع

فشل اجتماع جيبوتي مؤشر مبكر على ضعف اللجنة الخماسية تنظيميًا، كما أن الانقسام المدني–المدني بات عائقًا لا يقل خطورة عن الصراع العسكري.

إن تضارب أدوار الاتحاد الأفريقي وإيغاد يُضعف أي مسار تفاوضي جاد، كما أن استبعاد أو إشراك أطراف بعينها (الدعم السريع/الإسلاميون) يشكّل خطوط تماس سياسية حادة.

ختاما، توسيع الحوار للمجتمع المدني محاولة إنقاذ، لكنها قد لا تكفي دون توافق سياسي أساسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى