ارتباك سياسي في بغداد.. إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله والحوثيين بعد إصداره بساعات
أثار العراق هذا الأسبوع جدلاً واسعاً بعد نشر قرار رسمي يقضي بتصنيف حزب الله اللبناني والحوثيين ككيانات إرهابية وتجميد أموالهم داخل البلاد.
القرار الذي ظهر في “الوقائع العراقية” انعكس فوراً على الساحة السياسية نظراً لحساسية علاقة بغداد مع القوى الموالية لإيران.
وبعد ساعات فقط، أعلنت لجنة التجميد أن النشر كان “خطأ” وتم التراجع عنه، ما كشف عن وجود تضارب داخل مؤسسات الدولة وضغوط سياسية متبادلة.
الحدث يعكس تحديات الحكومة في الموازنة بين الالتزامات الدولية والتوازنات الداخلية.
ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه العراق ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة ودول غربية لدفع بغداد إلى الحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران داخل أراضيه.
وفي المقابل، تعتمد الحكومة العراقية على دعم قوى سياسية شيعية نافذة تمتلك علاقات وثيقة مع حزب الله والحوثيين، ما يجعل أي خطوة رسمية تجاه هذه الجماعات شديدة الحساسية.
صراع خفي داخل مؤسسات الدولة العراقية
كشفت حادثة إدراج حزب الله اللبناني والحوثيين ضمن قوائم الإرهاب في العراق، ثم التراجع السريع عنها، عن طبيعة الصراع الخفي داخل مؤسسات الدولة العراقية بين نفوذين متعاكسين: نفوذ الدولة الرسمي المرتبط بالالتزامات الدولية من جهة، ونفوذ الفصائل السياسية والعسكرية المرتبطة بمحور إيران من جهة أخرى.
من الناحية الإدارية، تسريب القرار عبر “الوقائع العراقية” لا يبدو مجرد “خطأ مطبعي”، بل يتجاوز ذلك ليظهر وجود جناح داخل الحكومة أو داخل المنظومة البيروقراطية يسعى إلى تمرير رسائل سياسية للخارج، خصوصاً للولايات المتحدة التي تضغط منذ أشهر على بغداد لضبط التحويلات المالية نحو الجماعات المصنّفة إرهابية دولياً.
هذا الجناح يبدو أنه يعمل على تعزيز صورة العراق كدولة منضبطة سياسياً ومالياً، خصوصاً في ظل التفاوض المستمر على ملفات الطاقة والدعم المالي.
لكن في المقابل، أظهر التراجع السريع حجم النفوذ الذي تمارسه الفصائل داخل العراق، وهي فصائل تعتبر حزب الله والحوثيين جزءاً من منظومة “المحور المقاوم”، وبالتالي فإن إدراجهم في قوائم الإرهاب يمثل تهديداً مباشراً لشرعيتها السياسية.
لذلك كان رد الفعل سريعاً وحاداً، ما أجبر الحكومة على التراجع، الأمر الذي أوضح هشاشة مؤسسات الدولة أمام الضغوط السياسية الداخلية.
الحدث بحد ذاته يبرز أيضاً أزمة أكبر: غياب مركزية القرار في العراق، فما حصل يعكس تعددية مراكز القوى—الوزارات، المستشارون، الفصائل، رئاسة الوزراء، الجهات القضائية—وكل منها يدفع باتجاه مختلف.
هذا التشتت يجعل أي خطوة ذات بعد إقليمي أو دولي عرضة للتراجع خلال ساعات، كما حصل في هذه الواقعة.
على المستوى الإقليمي، كانت إيران تراقب الموقف عن كثب، إذ إن تصنيف حليفين رئيسيين لها كجماعات إرهابية داخل العراق قد يفتح الباب أمام تغيّر سياسي أوسع في بغداد، وهو أمر لا ترغب طهران بالسماح بحدوثه في الوقت الحالي، خصوصاً في فترة تشهد فيها المنطقة تقلبات بين التهدئة والتصعيد.
أما على مستوى الحكومة العراقية، فقد مثّل الحدث إحراجاً كبيراً لها، إذ فقدت جزءاً من مصداقيتها أمام الجمهور المحلي الذي بات يرى أن القرارات الاستراتيجية يمكن أن تنقلب خلال ساعات، وأمام المجتمع الدولي الذي اعتبر التراجع دليلاً على عدم قدرة بغداد على فرض سيطرة كاملة على مؤسساتها.
في المحصلة، يظهر هذا الخبر أن العراق يعيش مرحلة دقيقة من “إعادة توازن” متواصلة، حيث تحاول الدولة شق طريق بين ضغوط الخارج ومصالح الداخل، لكن البنية السياسية الحالية تجعل هذا الطريق مليئاً بالتعقيدات.
لذلك، فإن أي خطوة مشابهة مستقبلاً قد تتحول إلى مؤشر مهم على اتجاهات القوة داخل بغداد، سواء نحو مزيد من استقلال القرار، أو نحو ترسيخ النفوذ غير الرسمي للفصائل.




