شؤون تحليلية دولية

بعد تحوّلات جنوب القوقاز، تحركات إيرانية لاستمالة أذربيجان

تسعى إيران إلى ضبط الوضع في جنوب القوقاز بعد تغير موازين القوى لصالح أذربيجان، وخصوصاً بعد الحربين الأخيرتين مع أرمينيا، حيث كثفت طهران محادثاتها مع باكو حول الممرات الحدودية وترسيمها، والترتيبات الأمنية، في إطار سعيها لتقليل النفوذ الغربي وتأمين مصالحها الإقليمية.

بينما تنظر أذربيجان إلى هذه الجهود بوصفها أداة تكمل مشاريعها الترانزيتية دون تقييد حريتها في التعاون مع القوى الغربية، خاصة إسرائيل.

أدى انتصار أذربيجان على أرمينيا إلى تغيير خريطة القوى في جنوب القوقاز، ما أثار قلق إيران بشأن أمن حدودها الشمالية الغربية ومصالحها في المنطقة.

وتركزت جهود طهران على تعزيز التعاون الثنائي مع باكو في مجالات الممرات الحدودية، التجارة، النقل والطاقة، ضمن إطار آلية «3+3» الإقليمية التي تضم إيران وروسيا وتركيا إلى جانب دول جنوب القوقاز الثلاث، بهدف الحد من التدخل الغربي وتأمين التوازن الإقليمي.

وبرغم التشديد الإيراني على أهمية الآلية لتحقيق الاستقرار وحفظ مصالح طهران، تواصل أذربيجان تعزيز شراكتها مع إسرائيل، ما يعكس تبايناً في الأولويات بين الطرفين ويزيد احتمالية إدارة دقيقة للعلاقات لمنع أي توتر مباشر.

تأتي الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” إلى باكو ضمن سياق محاولات طهران إدارة التحوّلات في جنوب القوقاز بعد حربَي 2020 و2023، والتي أعادت مناطق النزاع إلى أذربيجان وغيرت موازين القوى التقليدية.
وركزت المحادثات على إدارة الممرات الحدودية، ترسيم الحدود، ترتيب الأمن الإقليمي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.

إيران ترى أن آلية «3+3» تشكل إطاراً مثاليًا لحفظ التوازن وتقليل النفوذ الغربي، بينما تعتبر أذربيجان أن أي قيود على حرية مناوراتها الإقليمية غير مقبولة، وهي تركز على الحفاظ على شراكتها مع إسرائيل بما يخدم مشاريعها الترانزيتية والأمنية.

ومن أبرز الملفات الخلافية، مشروع ممر زنغزور ومشروع ممر ترامب، إذ تسعى طهران إلى ضمان ألا تتحول هذه الممرات إلى أدوات نفوذ خارجي.

كما تشكل العلاقات الأمنية والعسكرية لأذربيجان مع إسرائيل مصدر قلق لطهران، التي تعتبر احتمال استخدام إسرائيل للمطارات أو المجال الجوي الأذربيجاني لتنفيذ عمليات ضدها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بينما تسعى طهران لإدارة هذه القضايا بحذر عبر الحوار الدبلوماسي والآليات الإقليمية.

يمكن فهم تحركات إيران تجاه أذربيجان على أنها استجابة للقلق المتزايد من احتمال تصعيد عسكري مع إسرائيل في الأيام القادمة، ما يجعل الجبهة الشمالية حساسة للغاية لطهران.

من هذا المنطلق، تسعى إيران لاستمالة باكو، أو على الأقل تحييدها، لتجنب تحول الحدود الشمالية الغربية إلى مسرح للتدخلات الإسرائيلية المباشرة، مع الحفاظ على مصالحها في جنوب القوقاز وممراته الحيوية.

تحاول طهران التوفيق بين الحاجة لردع النفوذ الغربي والإسرائيلي، وبين الحفاظ على استقرار علاقاتها مع محيطها، بينما تستفيد أذربيجان من هذا التوجه لتعزيز مشاريعها الترانزيتية وشراكاتها الأمنية مع إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى