شؤون تحليلية عربية

في ظل الانقسام الداخلي في الصومال.. حركة الشباب تصل إلى مشارف مقديشو

تواجه الصومال لحظة مفصلية تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع هشاشة البنية السياسية وتوسع ساحات التنافس الإقليمي.

ويزداد الضغط على العاصمة في ظل تقلص قدرة المؤسسات الرسمية على احتواء الانهيار المتدرج في الأطراف ومناطق الوسط.

خطر الانهيار

يتصاعد خطر الانهيار في الصومال مع توسع نفوذ حركة الشباب وتقدمها باتجاه العاصمة حتى مسافة تقل عن خمسين كيلومترًا، مستفيدة من ضعف قدرات الجيش الفيدرالي وتراجع فعالية بعثة الاتحاد الأفريقي (ATMIS).

ويأتي ذلك بالتزامن مع خسائر بشرية كبيرة داخل القوات النظامية، إذ فقدت ما بين عشرة وخمسة عشر ألف جندي خلال السنوات الثلاث الماضية، نتيجة تفشي الفساد وضعف التدريب وزيادة الاعتماد على الدعم التركي والقطري والغربي.

انقسام سياسي

وتتزامن التطورات الميدانية مع تفاقم الانقسام السياسي بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، حيث تتجه السلطة المركزية لإعادة صياغة النظام الدستوري والانتخابي قبيل انتخابات 2026.

وتثير هذه الخطوة مخاوف من إشعال اضطرابات جديدة وتعميق التوتر في لحظة تتعرض فيها مقديشو لضغط أمني متزايد.

التنافس الدولي داخل الصومال

ويشتد التنافس الإقليمي داخل الصومال عبر محور يضم تركيا وقطر يدعم الحكومة، في مقابل محور إماراتي–إثيوبي–كيني يمنح دعمه لعدد من الولايات.

وتواصل تركيا توسيع حضورها العسكري والاقتصادي انطلاقًا من قاعدة “تركسوم” منذ 2017، بينما تعزز الإمارات نفوذها في موانئ بربرة وبوصاصو عبر استثمارات تتجاوز ستمئة مليون دولار.

ويجري هذا التنافس في ظل بيئة مفتوحة تسمح بتداخل المشاريع العسكرية والاقتصادية بشكل واسع.

وفي شمال البلاد، يواصل كيان أرض الصومال ترسيخ استقلاله الفعلي منذ عام 1991، مع بناء شراكات متنامية مع الإمارات وإثيوبيا، خاصة بعد مذكرة التفاهم التي منحت أديس أبابا منفذًا بحريًا بطول عشرين كيلومترًا عام 2024، وهو اتفاق مرشح للعودة إلى الواجهة إذا تدهور الوضع جنوبًا.

وفيما يلي خريطة ميدانية محدثة:

وفقا لهذه الخريطة الميدانية المحدثة، مناطق اللون الأحمر تشير إلى انتشار واسع لحركة الشباب في جوبالاند وجنوب غرب وهيرشبيلي وأجزاء من غلمدغ، مع سيطرة على طرق محورية تصل إلى أطراف العاصمة، أما مناطق اللون الأزرق فهي جيوب لتنظيم داعش حول مدينة بوصاصو في بونتلاند، خصوصًا في المناطق الجبلية الوعرة شرق البلاد.

مناطق اللون الأصفر هي مناطق متنازع عليها بين الحكومات المحلية والسلطات الفيدرالية، تشمل نطاقًا ممتدًا بين صومالي لاند وبونتلاند وجيوب داخل غلمدغ وجنوب غرب، أما المربعات الخضراء فهي الموانئ الرئيسية في مقديشو وبربرة وبوصاصو وكسمايو، التي تمثل نقاطًا استراتيجية للصراع والتجارة على حد سواء.

السيناريوهات المستقبلية

وتتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للعامين المقبلين: إما انهيار حكومي وسقوط مقديشو بيد حركة الشباب، أو اندلاع حرب أهلية جديدة بين الحكومة والولايات، أو تسوية سياسية واسعة بدعم خارجي تؤدي إلى إعادة هيكلة النظام الفيدرالي والأجهزة الأمنية.

ويُرجح أن قدرة الصومال على تفادي السيناريو الأسوأ تعتمد على سرعة معالجة الانقسامات الداخلية واحتواء التنافس الإقليمي.

يتقدم العامل الأمني ليشكل التهديد الأكبر للدولة، فاقتراب حركة الشباب من العاصمة يعكس اختلالًا واضحًا في توزيع القوة نتيجة انهيار تدريجي في أداء الجيش ونقص حاد في قدراته.

ويزداد هذا الخلل مع انشغال الطبقة السياسية بصراعات ترتبط بشكل مباشر بمرحلة ما بعد 2026، إذ تحاول السلطة المركزية إعادة هندسة النظام الدستوري دون توفر توافق وطني، ما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية حادة قد تنعكس سريعًا على الميدان.

وفي السياق الإقليمي يظهر أن الصراع داخل الصومال لم يعد محصورًا في البنية الفيدرالية، بل تحول إلى امتداد مباشر لتنافس محاور إقليمية ترى في البلاد نقطة ارتكاز لمصالحها.

ويتضح أن التوازن الحالي هش إلى درجة يمكن أن ينكسر مع أي تحرك مفاجئ من الأطراف الخارجية، خاصة مع صعود أرض الصومال كلاعب يملك شراكات مستقرة وقدرة على فرض معادلات جديدة إذا تراجع ثقل الحكومة جنوبًا.

ويشير المشهد العام إلى أن موازين القوى قابلة للتغير بسرعة، سواء عبر تقدم حركة الشباب أو عبر تحولات سياسية داخل الولايات أو من خلال إعادة تموضع اللاعبين الإقليميين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى