تونس تفتح قنوات اقتصادية مع مناطق سيطرة حفتر شرقي ليبيا
تشير تحركات اقتصادية ودبلوماسية تونسية متسارعة نحو شرق ليبيا إلى بداية مرحلة جديدة من التواصل مع سلطة الأمر الواقع بقيادة خليفة حفتر، بعد سنوات من الحذر والتباعد الرسمي.
ويبدو أن هذا الانفتاح يأتي بدوافع اقتصادية وسياسية متشابكة، تحمل أبعادًا تتجاوز التعاون التجاري إلى إعادة تموضع إقليمي.
وفد صناعي وتجاري تونسي يزور بنغازي
أوفد الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (UTICA) وفدًا إلى بنغازي في زيارة غير مسبوقة منتصف أكتوبر، ضمّ شخصيات بارزة من القطاعين الصحي والدوائي مثل طارق النيفر وبوبكر زخامة وحسن لموشي، وجميعهم على ارتباط مباشر بمشاريع استثمارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.
ونُظّمت الزيارة بالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بنغازي وشركة إعمار ليبيا القابضة، وهي الذراع الاقتصادية للوكالة الوطنية للتنمية (NDA) التابعة للجيش الوطني الليبي، وتشرف على مشاريع تنموية لصالحه.
الهدف المعلن من الزيارة هو تنظيم المنتدى الطبي التونسي–الليبي الأول في ديسمبر المقبل، وهو ما يُعدّ خطوة نحو تطبيع رسمي للعلاقات الاقتصادية بين تونس وشرق ليبيا.
مسار التقارب بين تونس وحفتر
يأتي ذلك بعد مسار تصاعدي من التقارب بدأ منذ إرسال تونس مساعدات إنسانية إلى درنة في سبتمبر 2023 عقب انهيار السدود الكارثي.
وفي فبراير 2024، زار وفد من وزارة الخارجية التونسية بنغازي للتحضير لإعادة فتح القنصلية التونسية، التي عادت فعليًا للعمل في أغسطس 2025.
كما استقبلت تونس في مارس الماضي جثامين ستة تونسيين قُتلوا في حادث بنغازي، برفقة وزير خارجية الحكومة الشرقية عبد الهادي الحويج، في مشهد مثّل ذروة رمزية للتقارب المتنامي.
من جهة أخرى، بحثت وزارة النقل في حكومة بنغازي منتصف أكتوبر مع مسؤولين تونسيين إعادة فتح المسارات الجوية بين البلدين، ما يُعدّ خطوة إضافية في مسار التطبيع.
الحكومة المنافسة في طرابلس تابعت هذه التطورات بقلق، فسارعت لإرسال وزير اقتصادها محمد الحويج إلى تونس في 22 أكتوبر للقاء رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، في محاولة لاحتواء النفوذ الاقتصادي المتنامي لشرق ليبيا في العلاقات التونسية.
الانفتاح على الجميع
يبدو أن تونس تسعى براغماتياً إلى إعادة تموضعها داخل المشهد الليبي المنقسم، مستندة إلى مقاربة “الانفتاح على الجميع” دون اعتراف رسمي بحكومة حفتر.
هذا الانفتاح يخدم أهدافًا متعددة: اقتصاديًا، يخدم تأمين منفذ للأسواق الليبية الشرقية واستثمارات واعدة في مجالات الصحة والبناء والدواء، وسياسيًا، يخدم خلق توازن في العلاقات بين طرابلس وبنغازي، وتقليل الاعتماد على محور الغرب الليبي الموالي لتركيا، أما أمنيًا، فيخدم تعزيز التواصل مع الأجهزة الشرقية للحد من التهريب وتسلل المجموعات المسلحة عبر الحدود الجنوبية.
غير أن هذا التوجه ينطوي على مخاطر سياسية محتملة، أبرزها توتر العلاقات مع حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا، واتهام تونس بالتحيز الضمني لمعسكر حفتر.
في المقابل، يعكس حضور رجال الأعمال المقربين من الرئيس قيس سعيد رغبة رئاسية واضحة في تطبيع محسوب مع شرق ليبيا، بما يتماشى مع نهج سعيد القائم على “البراغماتية السيادية” أكثر من التحالفات الأيديولوجية.




