أسلوب جديد في “الحرب الهجينة”: كيف توظف روسيا مسارات الهجرة الأفريقية لتقويض الاتحاد الأوروبي؟
شهدت العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة تداخلاً معقداً بين الملفات الأمنية والهجرة غير النظامية، حيث باتت قضايا المهاجرين ورقة ضغط سياسية وأداة توظيف جيوسياسي.
وتأتي ليبيا ومنطقة الساحل في صلب هذه المعادلة بحكم موقعهما الجغرافي الاستراتيجي، وتحوّلهما إلى نقاط عبور رئيسية نحو البحر المتوسط.
في هذا السياق، برز الحضور الروسي عبر قوات “أفريكا كوربس” وخطوط التواصل مع قوى محلية مؤثرة، ما أثار جدلاً أوروبياً متزايداً حول إمكانية توظيف هذا الوجود في إدارة أو افتعال أزمات هجرة على حدود الاتحاد الأوروبي.
زيادة الرحلات الجوية بين ليبيا وبيلاروسيا
أفادت تقارير أوروبية بارتفاع عدد الرحلات الجوية بين مدينة بنغازي ومينسك، حيث سُجلت رحلتان فقط في أيار/مايو، لترتفع إلى خمس في حزيران/ يونيو وأربع في تموز/ يوليو الماضيين.
واعتبر مسؤولون في المفوضية الأوروبية أن هذه الزيادة توحي بوجود تنسيق محتمل مع سلطات شرق ليبيا لتسهيل موجات هجرة غير شرعية نحو أوروبا. هذه التطورات تذكّر بالأحداث التي شهدها صيف 2021 عندما استُخدمت الأراضي البيلاروسية لتمرير آلاف اللاجئين إلى حدود بولندا وليتوانيا ولاتفيا.
منذ عام 2021 لجأت روسيا وبيلاروسيا إلى أسلوب استقدام لاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا عبر وعود كاذبة، ثم دفعهم نحو حدود الاتحاد الأوروبي.
وقد تم اتهام نظام ألكسندر لوكاشينكو باستخدام المهاجرين كأداة ضغط سياسي، بينما ربط محللون هذه التحركات بالتنسيق مع موسكو لصرف الانتباه عن التحركات العسكرية الروسية قبيل غزو أوكرانيا.
الانتشار الروسي في ليبيا ومنطقة الساحل
عززت روسيا حضورها العسكري من خلال “أفريكا كوربس” التي حلت محل مجموعة فاغنر بعد حزيران/ يونيو 2025.
يتمركز الوجود الروسي في ليبيا عبر قاعدتي الخادم والجفرة الجويتين، بينما يشكل النفوذ في مالي محوراً أساسياً بعد انسحاب القوات الفرنسية.
كما توجد منشآت روسية في النيجر وبوركينا فاسو، مع مراكز لوجستية عسكرية متعددة، هذا الانتشار يتقاطع بشكل مباشر مع طرق الهجرة غير النظامية الممتدة من دول الساحل شمالاً إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا.
المواقف الأوروبية
أبدى الاتحاد الأوروبي قلقاً متزايداً من تنامي النفوذ الروسي في ليبيا، حيث اعتبر مفوض الهجرة الأوروبي أن هذا التوسع قد يفتح المجال أمام توظيف ورقة المهاجرين كوسيلة ضغط.
وفي تموز/ يوليو، ألغت سلطات شرق ليبيا لقاءً كان مقرراً مع وفد أوروبي بعد هبوطه في مطار بنينا في بنغازي، ما اعتُبر مؤشراً إضافياً على توتر العلاقات.
وفي المقابل، سجل الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 نحو 5000 محاولة عبور غير قانوني على حدوده الشرقية، وهو رقم أقل من العام الماضي لكنه يثير مخاوف من موجة جديدة مرتبطة بليبيا.
تسعى روسيا عبر وجودها في ليبيا ومنطقة الساحل إلى خلط أوراق أوروبا وفرض معادلة جديدة في توازن القوى. فملف الهجرة يمثل ورقةً حساسة في الداخل الأوروبي، حيث يرتبط مباشرة بالانتخابات وصعود الأحزاب السياسية.
ومن خلال دفع موجات الهجرة نحو أوروبا، تراهن موسكو على تعزيز قوة التيارات اليمينية التي تتبنى مواقف أقل عدائية تجاهها، تماماً كما أثّر ملف الهجرة في الولايات المتحدة في التحول من إدارة بايدن إلى صعود ترامب بخطابه المتشدد.
إن استخدام روسيا لهذه الورقة يندرج في إطار استراتيجيتها الأوسع الرامية إلى تقليص الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وإحداث انقسام داخلي يضعف وحدة الموقف الأوروبي.
بالتالي، فإن موسكو توظف قوتها السياسية والعسكرية معاً، حيث لا تقتصر على السيطرة الميدانية في ليبيا والساحل، بل تمتد إلى التأثير في الداخل الأوروبي من خلال توظيف المهاجرين كورقة ضغط استراتيجية.
هذه السياسة لا تمثل تكتيكاً ظرفياً فحسب، بل أداة مستمرة في حربٍ شاملة تخوضها روسيا ضد أوروبا، تسعى فيها إلى تقويض خصومها عبر مزيج من القوة الصلبة والناعمة، وتظل ورقة الهجرة إحدى أهم أدواتها في هذه المواجهة.
المصدر: بوليتكال كيز




