شؤون تحليلية دولية

بكين و”إسرائيل”: تحوّل استراتيجي في الشرق الأوسط

في ظل التصعيدات المتكررة التي يشهدها الشرق الأوسط، وتغير موازين القوى الإقليمية، تُعيد الصين صياغة سياستها الخارجية، لا سيما تجاه إسرائيل. تقرير أعدته “عنات هوشبيرج ماروم” خبيرة الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية لصحيفة “جيروزاليم بوست” يكشف عن تحوّل تدريجي في مواقف بكين، وتحليل لكيفية محاولتها التوفيق بين مصالحها الاستراتيجية والصراعات الإقليمية المعقدة.

من التركيز الاقتصادي إلى الدور السياسي

لطالما كان المحور الأساسي للسياسة الصينية في الشرق الأوسط هو ضمان المصالح الاقتصادية، وتحديداً تدفق موارد الطاقة. لكن في أعقاب التصعيد الأخير في غزة، باتت بكين تُظهر سلوكاً أكثر توازناً وتفاعلاً، لتُعزز من مكانتها كلاعب محوري على الساحة العالمية.
ويُلاحظ أن الصين بدأت تُدرك الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل، ليس فقط “كمركز للابتكار التكنولوجي، بل كفاعل إقليمي يُمكن أن يُسهم في تحقيق استقرار نسبي”! يضمن استمرار مصالح بكين الحيوية في المنطقة. هذا التحول يعكس براغماتية الصين في التعامل مع القوى الإقليمية، وخاصة إيران وإسرائيل، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الخطاب السياسي والمواقف العملية.

تقاطع المصالح: الطاقة، التجارة، والتحالفات الجديدة

تعتمد الصين بشكل كبير على الشرق الأوسط لتأمين ما يقارب 40% من نفطها، وهي نسبة مرشحة للزيادة. هذا الاعتماد يجعلها عرضة للتقلبات في الممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز. وهذا ما يدفعها إلى تنويع شراكاتها وتعزيز حضورها ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
في المجال السياسي، ابتعدت الصين عن نهجها التقليدي القائم على “الحذر وتجنب الانحياز”. فبعد المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، انتقدت بكين السلوك الإيراني المتشدد، وتبنت نبرة أكثر توازناً تجاه إسرائيل.
وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، تعززت العلاقات الصينية-الإسرائيلية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا والابتكار، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 16 مليار دولار في عام 2024. هذه الشراكة تُمثل جزءاً من استراتيجية صينية أوسع، تهدف إلى تحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية، والاستفادة من مكانة إسرائيل كقوة تكنولوجية رائدة.
في المقابل، بدأت بكين تُعيد النظر في جدوى علاقتها مع إيران، خاصة مع “الجمود السياسي” وتآكل نفوذ “محور المقاومة”. ويرى بعض المحللين الصينيين أن النظام الإيراني لم يعد يخدم مصالح بلادهم كما كان في السابق.

إسرائيل كشريك استراتيجي ودبلوماسي

تُشير التوقعات إلى أن الصين تنظر إلى إسرائيل كطرف سياسي قادر على لعب دور متوازن في نظام إقليمي مضطرب. ومن الممكن أن تفتح هذه العلاقة المتنامية المجال أمام الصين للعب دور دبلوماسي فعال في الشرق الأوسط، وربما إدماج إسرائيل في مبادرات تنموية أو جهود إعادة إعمار في غزة مستقبلاً، مما يُعزز صورتها كوسيط مسؤول.
هذا التحول لا يُعد تغيراً تكتيكياً فحسب، بل يُمثل إعادة تموضع استراتيجي للصين، مرتبطاً بتراجع الهيمنة الأمريكية، وزيادة حاجة بكين لشركاء إقليميين قادرين على دعم استقرار مصالحها في المنطقة.

توصيات وتحذيرات

يُوصي التقرير بضرورة أن تُواصل الصين توضيح سياستها تجاه القضايا الحساسة في المنطقة، لتجنب التفسيرات السلبية التي قد تُهدد توازن علاقاتها. كما ينصح إسرائيل باستثمار هذا الانفتاح لتوسيع شراكاتها خارج الإطار الغربي التقليدي. وفي الوقت نفسه، يجب على القوى الإقليمية والدولية مراقبة هذا التحول الصيني عن كثب، نظراً لتداعياته المحتملة على موازين القوى في الشرق الأوسط.
المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى