شؤون تحليلية عربية

أزمة سد النهضة.. مصر تستميل أوغندا ودول منبع النيل لكسر اصطفافها مع إثيوبيا

وسط تصاعد الجمود في مفاوضات سد النهضة، أوصلت مصر رسالة رئاسية إلى أوغندا عبر وزير خارجيتها، في خطوة تعكس تحركًا دبلوماسيًا جديدًا لمواجهة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي.

وتشير هذه الرسالة إلى تحولات في الموقف المصري تجاه إثيوبيا، مع اتجاه نحو خطوات رسمية، وربما تصعيدية، في حال استمرار النهج الأحادي لأديس أبابا.

فقام وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، بزيارة إلى العاصمة الأوغندية عنتيبي، سلّم خلالها رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نظيره الأوغندي يوري موسيفيني، بشأن أزمة سد النهضة.

وأكد عبد العاطي خلال الزيارة أن مصر ستتخذ خطوات رسمية لحماية أمنها المائي وفقًا للقانون الدولي، في ظل استمرار إثيوبيا في ملء وتشغيل السد بشكل أحادي.

تأتي هذه الزيارة في وقت تواجه فيه مصر أزمة مائية متصاعدة مع اعتمادها شبه الكامل على مياه النيل، في حين ترفض إثيوبيا التوقيع على اتفاق قانوني ملزم، وتواصل البناء والتشغيل المنفرد للسد.

وعلى الرغم من محاولات القاهرة المستمرة لتأمين موقف إقليمي ودولي داعم، لا تزال المفاوضات الثلاثية متعثرة، ما يفتح المجال أمام خيارات أكثر حسماً في المرحلة المقبلة.

فحوى الرسالة المصرية

جاءت رسالة السيسي إلى موسيفيني في إطار تحرك دبلوماسي رسمي، حمّلها وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال زيارته إلى عنتيبي.

وأكدت الرسالة أن مصر بصدد اتخاذ خطوات رسمية لحماية أمنها المائي وحقوقها التاريخية في مياه النيل، مشيرة إلى أن التصرفات الإثيوبية الأحادية تعد خرقًا للقانون الدولي.

وشدد عبد العاطي على أن مياه النيل بالنسبة لمصر “قضية وجود”، وليست مجرد خلاف تقني أو سياسي.

الموقف المصري القانوني والتاريخي

تستند القاهرة إلى اتفاقيتي 1929 و1959، اللتين تعترفان بحصة مصرية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتمنحان مصر حق الاعتراض على أي مشروع يؤثر على تدفق النيل.

تعتبر مصر التصرفات الإثيوبية الأحادية – وعلى رأسها ملء السد دون اتفاق – انتهاكًا لقواعد القانون الدولي المتعلقة بالموارد المائية المشتركة.

موقف إثيوبيا ودول المنبع

ترفض أديس أبابا الاعتراف بالاتفاقيات التاريخية، وتستند إلى موقف يقوم على حقها في التنمية وتوليد الكهرباء.

تدعي إثيوبيا أن السد لن يضر بدول المصب، مستندة إلى تقرير فني ثلاثي يعود لعام 2013، رغم غياب توافق فعلي حول نتائجه.

دول مثل أوغندا وكينيا وبوروندي منخرطة في “اتفاقية عنتيبي” التي تدعو إلى إعادة تقاسم مياه النيل، وتعتبر الاتفاقيات القديمة غير ملزمة.

الدور الأوغندي

تُعد أوغندا فاعلًا مهمًا في معادلة دول المنبع، كونها من الموقعين على اتفاقية عنتيبي، لكنها في الوقت نفسه تربطها علاقات أمنية وثيقة بمصر.

من أبرز ملامح التعاون الثنائي اتفاق تبادل المعلومات الاستخباراتية عام 2021، وتفاهمات أمنية متواصلة تعزز التقارب في الرؤى.

ما هو سد النهضة؟

بدأت إثيوبيا بناء السد عام 2011 على النيل الأزرق، الذي يوفر أكثر من 85% من مياه النيل.

ونفّذت أديس أبابا 4 مراحل من الملء بين 2020 و2023 دون اتفاق، ما أثار قلقًا مصريًا–سودانيًا متزايدًا.

مصر تعتمد على النيل في أكثر من 90% من احتياجاتها المائية، ما يجعل السد خطرًا وجوديًا حقيقيًا.

التحرك المصري

زيارة عبد العاطي لأوغندا ليست مجرد تحرك دبلوماسي روتيني، بل تنطوي على دلالات تصعيدية واضحة، فالتأكيد على “خطوات رسمية” لحماية الأمن المائي قد يكون مقدمة لإجراءات أكثر حزمًا، سواء على المستوى الإقليمي أو في المحافل الدولية.

تحاول القاهرة إعادة تموضعها في حوض النيل عبر استثمار علاقاتها الأمنية والسياسية مع أوغندا ودول أخرى في شرق أفريقيا، الهدف واضح: كسر الاصطفاف الحاصل حول إثيوبيا وتقليص هامش مناورتها السياسية في الإقليم.

رغم وجاهة الموقف القانوني المصري، إلا أن الواقع السياسي والديمغرافي يميل لصالح إثيوبيا التي تمتلك أغلبية عددية من دول المنبع، وتستثمر علاقاتها مع الصين وروسيا وبعض الدول الخليجية لبناء موقف داعم.

لذلك فإن المخرج من الأزمة لن يكون قانونيًا بحتًا، بل يرتبط بتوازنات القوة في الإقليم وفعالية التحركات المصرية داخله.

في ظل الجمود الدبلوماسي، قد تلجأ مصر إلى تكثيف الضغوط عبر مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، أو تلجأ إلى خطوات فنية لزيادة التحوط ضد التأثيرات السلبية للسد، أو قد تلجأ إلى تحرك إقليمي لتضييق الخناق على إثيوبيا، قد يشمل توسيع الشراكات الأمنية أو تنفيذ مشاريع مائية مضادة.

وفي أسوأ السيناريوهات، تبقى فرضية العمل العسكري المحدود قائمة وإن كانت مستبعدة حاليًا.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى