شؤون تحليلية دولية

باستخدام البنية المدنية والطبيعية.. الحرس الثوري ينشئ شبكة صاروخية واسعة

كشفت وثيقة مصنفة “سرية للغاية” منسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني عن اعتماد خطة شاملة لإنشاء شبكة صاروخية واسعة داخل إيران، عبر تسخير الموارد الطبيعية والبنية التحتية المدنية في مختلف أنحاء البلاد.

الوثيقة التي اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” تتكون من 33 صفحة وتحمل عنوان “التعرف، الصيانة والاستخدام”، أُعدت ضمن هيئتي الاستخبارات والعمليات التابعة لقيادة الصواريخ في الحرس الثوري، وتتضمن تعليمات تنفيذية تتعلق بإدارة مواقع الصواريخ، أساليب الإطلاق، وآليات الحفاظ على الجهوزية القتالية.

استخدام البنية التحتية المدنية

وتُظهر التعليمات أن الحرس الثوري استخدم بنية تحتية مدنية بشكل مباشر، بما في ذلك شبكات الماء والكهرباء والغاز، إضافة إلى مرافق عامة مثل المستشفيات والمنشآت الصناعية والرياضية، لدعم عملياته الصاروخية.

كما سمحت التوجيهات باستخدام الطرق العامة والمستودعات وحتى المراكز الخدمية كمواقع إطلاق أو تمويه.

مفهوم التشتت

وتوضح الوثيقة اعتماد مفهوم “التشتت”، حيث يتم توزيع منصات الإطلاق على نطاق واسع باستخدام التضاريس الطبيعية مثل الجبال والتلال والغابات، بهدف تقليل فرص الرصد والاستهداف.

وتشمل هذه السياسة استخدام الغطاء النباتي والمناطق الطبيعية كبيئة تشغيلية للوحدات الصاروخية.

آلية الإطلاق والحماية

كما تتضمن التعليمات آلية “الإطلاق العاجل”، التي تسمح باستخدام مواقع غير مسجلة مسبقًا، بما في ذلك مناطق مدنية أو طرق رئيسية، في حالات الطوارئ، مع تأكيد ضرورة قرب هذه المواقع من طرق النقل ومناطق الاختفاء بعد الإطلاق.

وتشير الوثيقة إلى إنشاء قاعدة بيانات مركزية تجمع معلومات تفصيلية عن البيئة المحيطة بمواقع الإطلاق، بما يشمل الطرق، المرافق الحيوية، المستشفيات، وشبكات الاتصال، ما يعكس محاولة دمج العمليات العسكرية ضمن النسيج المدني.

وفي جانب الحماية، تركز التعليمات على استخدام أساليب الخداع والتمويه والتغطية لتفادي الرصد، مع فرض قيود أمنية على العاملين، واستخدام هويات مغطاة للعناصر المتخصصة، إضافة إلى إجراءات رقابية داخلية مشددة.

ورغم ذلك، تكشف الوثيقة عن مخاطر تشغيلية، حيث إن الاعتماد على شبكات اتصال غير محصنة قد يؤدي إلى اختراق أو تعطيل العمليات، كما أن استخدام بنية مدنية يعرض السكان والمنشآت الحيوية لخطر مباشر أثناء الهجمات أو الرد عليها.

كما تشير المعطيات الواردة إلى ارتفاع المخاطر على عناصر الوحدات الصاروخية، حيث قد تصل نسبة الخسائر في بعض الحالات إلى مستويات مرتفعة، نتيجة طبيعة الانتشار والتشغيل في بيئات مكشوفة أو غير مخصصة عسكريًا.

الدلالات

تكشف الوثيقة عن تحول واضح داخل الحرس الثوري: الانتقال من الاعتماد على قواعد صاروخية تقليدية (ثابتة أو تحت الأرض) إلى شبكة موزعة ومدمجة مع الحياة المدنية.

هذا النموذج يهدف إلى زيادة الصمود أمام الضربات الدقيقة، لكنه في الوقت نفسه يحول المدنيين والموارد العامة إلى “درع بشري وبيئي”.

الوثيقة لا تُخفي الجانب العملياتي: فهي تتحدث عن "الجهوزية للهجمات الصاروخية" و"أساليب الهجوم"، مما يشير إلى أن الهدف بناء قدرة هجومية واسعة النطاق تعتمد على التشتت والتخفي.

هذه الوثيقة، التي وصلت عبر مجموعة قرصنة «عدالة علي»، تُعد دليلاً قوياً على أن برنامج الصواريخ أصبح مشروعاً وطنياً شاملاً يستهلك موارد الدولة بأكملها تحت مظلة “الجهوزية” و”الطوارئ”.

في النهاية، تكشف هذه التسريبات عن نموذج "الحرب المندمجة" الذي يعتمده الحرس: لا فصل بين العسكري والمدني، ولا بين الطبيعة والسلاح. هذا النموذج قد يزيد من صعوبة الاستهداف الدقيق، لكنه يحمل مخاطر داخلية هائلة على الاستقرار الاجتماعي والبيئي والاقتصادي لإيران نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى