أجهزة الأمن الصينية تنسحب من أفغانستان بشكل تدريجي
اتخذت الأجهزة الأمنية في الصين قراراً استراتيجياً بإعادة هيكلة وجودها داخل أفغانستان، عبر تقليص الوجود المباشر وسحب جزء من الفرق والمصالح الصينية العاملة هناك، في خطوة تعكس تغيراً في تقييم بكين للبيئة الأمنية في المنطقة.
ووفق معطيات أمنية، فإن القرار صدر عن وزارة أمن الدولة الصينية، المعروفة اختصاراً باسم (MSS)، التي خلصت إلى أن استمرار الانتشار الصيني في الداخل الأفغاني أصبح ينطوي على مخاطر متزايدة، خصوصاً في ظل تراجع قدرة باكستان على ضمان أمن المصالح الصينية في محيط أفغانستان.
وكانت بكين قد اعتمدت خلال السنوات الماضية على إسلام آباد لتأمين مصالحها الإقليمية المرتبطة بالمشروعات الاقتصادية والتجارية، ضمن تفاهم غير معلن يقوم على توفير الحماية الأمنية مقابل الاستثمارات الصينية الضخمة والتعاون الاقتصادي الوثيق بين البلدين.
أسباب الانسحاب
رغم أن التصعيد العسكري الذي اندلع بين كابول وإسلام آباد في 27 فبراير، والذي تخللته ضربات متبادلة عبر الحدود وسقوط مئات القتلى وفق روايات متباينة، لم يكن السبب المباشر للقرار الصيني، إلا أنه سرّع في تنفيذ إجراءات الانسحاب وإعادة التموضع.
فمع نهاية عام 2025 كانت سلسلة من الحوادث الأمنية قد رفعت مستوى القلق لدى بكين، أبرزها هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي الأفغانية وأدت إلى مقتل عمال مناجم صينيين في طاجيكستان خلال نوفمبر 2025، إضافة إلى اشتباكات حدودية في ديسمبر أسفرت عن سقوط قتلى في صفوف حرس الحدود الطاجيك.
وبناء على ذلك، بدأت الاستخبارات الصينية تنفيذ خطة تشمل إجلاء الموظفين غير الأساسيين، ونقل المنشآت الحساسة بشكل غير معلن، إضافة إلى إعادة تنظيم القنوات الدبلوماسية والاقتصادية الصينية عبر دول الجوار، لا سيما أوزبكستان وطاجيكستان، مع الإبقاء على بعض آليات التنسيق مع باكستان رغم التوترات القائمة.
في السياق ذاته، ترى بكين أن التدهور المتسارع في العلاقة بين الحكومة الباكستانية وحركة تحريك طالبان باكستان، المدعومة جزئياً من شبكات داخل أفغانستان، زاد من هشاشة البيئة الأمنية.
فقد نفذت باكستان في أكتوبر 2025 ضربات جوية قرب كابول، في حين أطلقت حركة طالبان حملة إعلامية وسياسية مضادة ضد إسلام آباد.
قنوات اتصال مفتوحة
ورغم هذا الانسحاب النسبي، تسعى بكين إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع حركة طالبان، بهدف الحصول على ضمانات بعدم السماح بتمركز جماعات معادية للصين داخل الأراضي الأفغانية، إضافة إلى الحفاظ على فرص إنشاء ممرات تجارية مستقبلية وتأمين مصالحها الاقتصادية على المدى البعيد.
وفي المحصلة، تشير التقديرات إلى أن بكين فضّلت تقليص خسائرها في أفغانستان، والتركيز على حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية، مع إعطاء أولوية للعلاقة مع باكستان باعتبارها أكثر أهمية في الحسابات الجيوسياسية الصينية.
الدلالات
القرار الصيني يعكس تحولاً في استراتيجية بكين من الانخراط المباشر داخل أفغانستان إلى إدارة النفوذ عن بُعد عبر دول الجوار، بما يقلل المخاطر الأمنية دون التخلي الكامل عن المصالح الاقتصادية.
تراجع الثقة الصينية في قدرة باكستان على ضبط البيئة الأمنية في محيط أفغانستان يمثل مؤشراً على خلل متزايد في أحد أهم محاور الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
الانسحاب النسبي للصين يفتح المجال أمام فراغ نفوذ إقليمي قد تسعى قوى أخرى لملئه، خصوصاً في مجالات الموارد الطبيعية والممرات التجارية في آسيا الوسطى.




