شؤون تحليلية دولية

أرمينيا بين الضغوط الغربية والعلاقة الاستراتيجية مع إيران

تواجه أرمينيا في المرحلة الراهنة معادلة سياسية وأمنية معقدة في إدارة علاقاتها الخارجية، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

هذا الوضع جعل يريفان أمام تحدي الحفاظ على توازن حساس بين شراكتها التاريخية مع طهران وبين انفتاحها المتسارع على الغرب، خصوصًا فرنسا والولايات المتحدة.

اتصالات وزير الخارجية الأرميني

في هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان سلسلة اتصالات دبلوماسية متقاربة زمنيًا عكست هذا التوازن الحذر.

ففي 2 مارس أجرى اتصالًا مع نظيره الإيراني عباس عراقجي قدم خلاله التعازي في ضحايا الضربات الإسرائيلية-الأميركية الأخيرة داخل إيران، في خطوة هدفت إلى طمأنة طهران بشأن استمرار قنوات التواصل السياسي بين البلدين.

وبعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، عقد ميرزويان اتصالًا مع وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، في مؤشر واضح على استمرار التنسيق مع الشركاء الغربيين.

هذه الاتصالات المتوازية تعكس موقع أرمينيا الحساس جيوسياسيًا، إذ ترتبط بعلاقات استراتيجية طويلة مع إيران التي تمثل بالنسبة لها منفذًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا، وفي الوقت نفسه تسعى القيادة الأرمينية إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية والسياسية مع الغرب بعد تقليص اعتمادها التقليدي على روسيا خلال العامين الماضيين.

زيارة وزير الدفاع الأرمني لطهران

قبل اندلاع الأزمة الإقليمية الأخيرة بأيام، كان وزير الدفاع الأرميني سورين بابيكيان في زيارة إلى طهران حيث التقى عددًا من المسؤولين الإيرانيين، بينهم علي لاريجاني الذي يُعد أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في النظام الإيراني حاليًا.

وتأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه وزارة الدفاع الأرمينية عملية إعادة هيكلة واسعة بدعم مستشارين عسكريين أمريكيين، ما يعكس التداخل المعقد بين مسارات التعاون العسكري مع الغرب والحفاظ على خطوط التواصل مع إيران.

القيادة الأرمينية برئاسة رئيس الوزراء نيكول باشينيان كانت قد بدأت منذ نحو عامين مسارًا تدريجيًا لإعادة توجيه السياسة الخارجية باتجاه الغرب، في محاولة لتقليل الاعتماد على موسكو بعد تراجع الدور الروسي في جنوب القوقاز.

وفي هذا الإطار عقد مجلس الأمن القومي الأرميني اجتماعًا في 2 مارس ضم كبار المسؤولين الأمنيين، بينهم مستشار الأمن القومي أرمن غريغوريان ورئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية كريستين غريغوريان، لبحث تداعيات التطورات الإقليمية.

ويعمل المسؤولان الأمنيان على تعزيز التنسيق مع المؤسسات الأمنية الغربية، وخاصة فرنسا، حيث باتت الزيارات الدورية إلى باريس تتضمن لقاءات مع جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي.

ويهدف هذا التعاون إلى إعادة مواءمة المنظومة الاستخباراتية والأمنية الأرمينية مع المعايير الغربية.

ورغم هذا التوجه، تدرك القيادة الأرمينية أن استقرار النظام الإيراني يمثل عاملًا مهمًا في معادلات الأمن الإقليمي بالنسبة لها، ولذلك تحرص على عدم اتخاذ مواقف قد تُفسر في طهران باعتبارها انحيازًا كاملاً إلى المعسكر الغربي.

طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي

من أبرز الملفات التي تثير القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الأرمينية مشروع الممر الاقتصادي المعروف باسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، وهو مشروع بنية تحتية إقليمي يهدف إلى ربط أرمينيا وأذربيجان اقتصاديًا ضمن مسار التسوية بين البلدين.

وقد سبق لإيران أن هددت باستهداف هذا المشروع في حال تنفيذه بالقرب من حدودها، وهو موقف أعاد السفير الإيراني في يريفان التذكير به مؤخرًا خلال اتصالات دبلوماسية متكررة مع المسؤولين الأرمينيين.

الدلالات

أرمينيا تسعى إلى إدارة توازن دقيق بين الانفتاح الأمني على الغرب والحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع إيران.

التحولات داخل المؤسسة الأمنية الأرمينية تشير إلى انتقال تدريجي في البنية الاستخباراتية باتجاه الشراكات الغربية.

المخاوف المرتبطة بالممر الاقتصادي الإقليمي تعكس حساسية الموقع الجيوسياسي لأرمينيا بين إيران وأذربيجان والغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى