ضباط متقاعدون من الجيش السوداني يدربون ألف مجند صومالي في غلمدغ
كشفت معطيات أمنية موثوقة عن تنفيذ مهمة غير معلنة قادها ضباط متقاعدون من القوات المسلحة السودانية لتدريب ما يقارب ألف مجند صومالي ضمن تشكيلات شبه نظامية في ولاية غلمدغ وسط الصومال.
التدريب تم بإشراف مباشر من وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية (NISA)، وبموجب تفاهم أُبرم عبر قنوات استخباراتية مع حكومة السودان برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
مراحل التدريب
انطلقت مراحل التدريب الأولى في ديسمبر 2024 داخل معسكر آدادو، حيث خضع نحو 973 عنصرًا لبرنامج تأهيلي شمل الانضباط العسكري، استخدام السلاح الفردي، حماية النقاط الحيوية، وإدارة الانتشار المحلي.
وفي يناير 2025، توسّع البرنامج ليشمل مركز غوريل، على بعد قرابة 150 كلم، لتدريب 432 مجندًا إضافيًا ضمن تشكيل “الحرس المدني”، وهو إطار أمني محلي جرى تصميمه ليعمل عمليًا تحت إشراف جهاز الاستخبارات وليس المؤسسة العسكرية التقليدية.
المدربون السودانيون
قاد المهمة فريق سوداني مكوّن بالكامل من ضباط متقاعدين ذوي خبرة في النزاعات غير النظامية، على رأسهم عميد سوداني، بمساندة عدد من العقداء والمقدمين.
وجرى توقيع عقودهم عبر إدارة الشؤون المالية والإدارية في NISA برواتب شهرية محددة، ما يعكس طابع العملية المنظم والمهني، بعيدًا عن أي طابع تطوعي أو رمزي.
السياق والأهداف
تزامنت العملية مع عودة مهدي محمد صلاح إلى رئاسة الجهاز بدعم مباشر من الرئيس حسن شيخ محمود، في سياق مساعٍ واضحة لإعادة فرض السيطرة المركزية على غلمدغ، التي تشهد توترات سياسية مزمنة مع مقديشو، إلى جانب احتكاكات أمنية متكررة مع ولاية بونتلاند على خلفية نزاعات حدودية وخلافات حول المسار الانتخابي.
ولا يقتصر الهدف من هذه القوة المحلية على ضبط الأمن الداخلي، بل يتعداه إلى بناء أداة نفوذ استخباراتية قادرة على مراقبة خطوط الحركة بين الولايات، واحتواء أي تمدد لقوى معارضة للحكومة المركزية، فضلًا عن تقليص تأثير أطراف إقليمية، وعلى رأسها إثيوبيا، المتهمة بالتدخل في الشأن الصومالي عبر قنوات سياسية وعشائرية.
على المستوى الإقليمي، يأتي هذا التقارب السوداني–الصومالي ضمن اصطفاف أوسع يضم مصر، التي تستعد لنشر قوات ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة، وبدعم سياسي وأمني من تركيا وقطر.
في المقابل، تراجعت العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة بعد اتهامها بدعم قوات الدعم السريع في الحرب السودانية، ما دفع مقديشو والخرطوم إلى تعميق تعاونهما الأمني بعيدًا عن أبوظبي.
ورغم غياب اتفاق عسكري رسمي بين البلدين، فإن ما يجري على الأرض يعكس انتقال العلاقة من التنسيق الدبلوماسي إلى الشراكة الاستخباراتية العملية، مع اعتماد متزايد على الميليشيات المحلية كأدوات ضبط ونفوذ، في وقت يسعى فيه الجيش السوداني، رغم انشغاله بمعاركه الداخلية، إلى تثبيت حضوره الإقليمي عبر تصدير خبراته وبناء شبكات تأثير في القرن الأفريقي.
التدريب السوداني في غلمدغ لا يمكن فصله عن مساعي مقديشو لإعادة هندسة موازين القوة داخل الولايات الفيدرالية، عبر تشكيل قوى محلية تدين بالولاء للاستخبارات بدل المؤسسات التقليدية.
لجوء الصومال إلى كوادر سودانية متقاعدة يعكس ثقة متزايدة بخبرة الجيش السوداني في إدارة الصراعات غير النظامية، ويشير إلى انتقال الخرطوم من موقع الدفاع الداخلي إلى لعب أدوار أمنية خارج حدودها.
هذا المسار يضع القرن الأفريقي أمام مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي منخفض الوتيرة، حيث تتحول برامج التدريب وبناء الميليشيات إلى أدوات نفوذ موازية للدبلوماسية الرسمية.




