شؤون تحليلية عربية

تقارب جزائري–نيجري جديد: إحياء خط أنابيب الغاز العابر للصحراء يعيد رسم توازنات الساحل

تُبدي الجزائر استعدادًا لاستئناف الاتصالات مع سلطات النيجر بعد فترة من الفتور في العلاقات، في ظل تحولات إقليمية متسارعة تشهدها منطقة شمال وغرب أفريقيا. ويأتي هذا الانفتاح في وقت تتابع فيه الجزائر تغيّر موازين القوى الإقليمية، خصوصًا مع تنامي شبكة التحالفات الداعمة للمغرب على المستويين الدولي والإقليمي.

توتر سابق ومؤشرات عودة الحوار

شهدت العلاقة بين الجزائر ودول الساحل، ومن بينها النيجر، توترًا خلال الفترة الماضية على خلفية حادثة إسقاط الدفاعات الجوية الجزائرية لطائرة مسيّرة مرتبطة بالقوات المسلحة المالية، ما أدى إلى تعقيد العلاقات مع عدد من عواصم المنطقة.

إلا أن مؤشرات حديثة تفيد بعودة الاتصالات بين الجزائر ونيامي، مدفوعة بإحياء مشاريع استراتيجية قديمة، في مقدمتها مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا.

الطاقة والتعدين في واجهة التحرك

في هذا السياق، أجرى وزير الطاقة والتعدين الجزائري محمد أركاب زيارة إلى العاصمة نيامي، تناولت رسميًا مشاريع شركة سوناطراك في النيجر، بما في ذلك أنشطة الاستكشاف في حقل كافرا النفطي.

غير أن ملف خط أنابيب الغاز شكّل محورًا أساسيًا للنقاش، حيث أكدت حكومات الجزائر والنيجر ونيجيريا استعدادها للانتقال إلى المرحلة العملية من المشروع، مع الإعلان عن التحضير لاجتماعات ثلاثية جديدة يُفترض أن تمهّد لانطلاق أعمال البناء، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتمويل والبيئة الأمنية.

إعادة تموضع إقليمي ودلالات سياسية

يمكن وضع هذا التحرك الجزائري في سياق أوسع من إعادة التموضع الإقليمي التي فرضتها تطورات سابقة، بعد تراجع مستوى العلاقات مع بعض دول الساحل، ما أضعف الحضور الجزائري في فضاء تعتبره تقليديًا مجالًا حيويًا لأمنها القومي.

في المقابل، تزامن هذا الجمود مع توسّع نفوذ المغرب إقليميًا، مدعومًا بشراكات متنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي عزز شعورًا متزايدًا في الجزائر بضرورة كسر العزلة جنوبًا، وعدم ترك فراغ سياسي واقتصادي في منطقة الساحل.

إحياء مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء ليس طرحًا جديدًا، إذ ظل مطروحًا منذ سنوات قبل أن يتعثر بسبب عقبات التمويل والتحديات الأمنية في النيجر وشمال نيجيريا. غير أن عودته إلى الواجهة في توقيت إقليمي حساس تمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز كونه مشروع طاقة، ليصبح أداة لإعادة تثبيت الدور الجزائري كمحور طاقوي أفريقي، وبناء شبكة مصالح متبادلة مع دول الساحل.

كما يمكن قراءة تحسن نبرة العلاقات مع نيامي ضمن توجه جزائري أوسع لتوحيد الشراكات جنوبًا، في مواجهة اختلالات إقليمية ترى أنها تميل لصالح خصومها. وإذا استمر هذا المسار، فمن المرجح أن يشكل التقارب مع قادة الساحل خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد في حسابات السياسة الخارجية الجزائرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى