شؤون تحليلية عربية

جماعة “المكحلين” تعاود نشاطها في وادي حضرموت باليمن.. ما قصتها؟

شهدت مناطق غربي مدينة سيئون في وادي حضرموت باليمن خلال الفترة الأخيرة رصد تحركات وتجمعات علنية لجماعة تُعرف باسم “المكحلين”، شملت وديان سر، شحوح، بن علي، وهينن، وسط نشاط وُصف باللافت من حيث الظهور العلني والحركة المتزايدة.

ويأتي هذا الظهور في توقيت أعاد إلى الواجهة مقارنات مع مراحل سابقة من نشاط الجماعة في محافظات جنوبية وشرقية.

تاريخ “المكحلين”

وبحسب معطيات تاريخية موثقة، يعود التواجد الأولي لما يُعرف بـ”المكحلين” في حضرموت إلى عام 2009، حيث ارتبط الاسم في الغالب بعناصر من تنظيم القاعدة في اليمن.

وقد مر هذا التواجد بمراحل متفاوتة من حيث الكثافة والنشاط، بين حضور محدود في بعض الفترات، ونشاط أوسع في فترات أخرى، أبرزها سيطرة التنظيم على مدينة المكلا خلال الأعوام 2015–2016، قبل أن يتراجع لاحقًا.

وفي سياق زمني متصل، تشير الوقائع إلى أن جماعة المكحلين كانت حاضرة بقوة في محافظة أبين خلال أغسطس 2010، حيث نفذت هجمات استهدفت قوات عسكرية في لودر وزنجبا، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى.

ولاحقًا، وخلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام نفسه، اختفت الجماعة بشكل شبه كامل من المحافظة، بالتزامن مع إقامة بطولة “خليجي 20” في ملعب الوحدة بزنجبار دون تسجيل اضطرابات أمنية بارزة.

وبعد نحو خمسة أشهر، وتحديدًا في مايو 2011، عادت الجماعة للظهور مجددًا، وسيطرت على مدينتي زنجبار وجعار لمدة عامين.

اتهامات واستهدافات للمكحلين

في الإطار الخطابي، ترددت في الآونة الأخيرة توصيفات إعلامية وسياسية، من بينها خطاب منسوب إلى جماعة الحوثي، تصف فيه عناصر “المكحلين” بأنهم امتداد لتنظيم داعش، مع ربط هذا التوصيف بسياق أوسع يتعلق بالأوضاع الأمنية في محافظتي المهرة وحضرموت.

ميدانيًا، أفادت تقارير محلية بأن طائرة مسيّرة أمريكية، نفذت في -وقت سابق- سلسلة غارات جوية، تراوح عددها بين ثلاث وأربع ضربات، استهدفت تجمعًا لعناصر من جماعة المكحلين في منطقة الخراشي آل شبوان، التابعة لمديرية الوادي شرقي محافظة مأرب.

وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُعرف الأسباب المباشرة للهجوم، ولا طبيعة الأهداف، أو حجم الخسائر الناتجة عنه.

الدلالات

عودة ظهور “المكحلين” غربي سيئون في هذا التوقيت تبدو كأنها إعادة فتح لملف قديم أُغلق مؤقتًا، لا أكثر.

المشهد يعيد إلى الذاكرة ما حدث في أبين قبل أكثر من عقد، حين خرجت الجماعة إلى العلن، ثم اختفت فجأة، قبل أن تعود بقوة وتفرض سيطرتها على زنجبار وجعار لفترة طويلة، في تسلسل زمني لم يُفهم حينها، ولا يزال حتى اليوم بلا تفسير مقنع.

اليوم يتكرر المشهد، لكن في وادي حضرموت، تحركات علنية، تجمعات في الأودية، دون سعي حقيقي للتخفي أو الاشتباك، وكأن الهدف ليس السيطرة بقدر ما هو الإعلان عن الحضور.

حضرموت ليست أرضًا مجهولة لهم؛ التواجد هناك قديم، منذ 2009، وبلغ ذروته مع السيطرة على المكلا بين 2015 و2016. لذلك، ما يحدث الآن لا يبدو توسعًا طبيعيًا، بل استدعاء متعمد لورقة معروفة.

في الخلفية، تبدو الساحة الشرقية لليمن مرشحة لأن تكون مساحة تصفية حسابات غير مباشرة.

التوتر المكتوم بين الرياض وأبو ظبي، بعد سنوات من الشراكة القسرية في اليمن، لم يُغلق بالكامل، بل انتقل إلى مستوى أكثر وضوحا وأشد خطورة.

الإمارات، التي خرجت من حرب اليمن بخسائر واضحة، ولم تحقق ما كانت تطمح إليه، تبدو اليوم أكثر ميلاً لاستخدام أدوات غير مباشرة لإرباك خصومها، ولو أدى ذلك إلى خلط المشهد الأمني في مناطق تُعد حساسة للسعودية.

إظهار “المكحلين” في وادي حضرموت يمكن قراءته كرسالة مزدوجة: ورقة تُشهر في وجه الرياض، مفادها أن الاستقرار هناك قابل للاهتزاز في أي لحظة، وأن خطوط النفوذ ليست محصنة كما يُعتقد.

في المقابل، توصيف الحوثيين السريع لهم بأنهم “دواعش” يدخل ضمن حرب السرديات، أكثر من كونه توصيفًا دقيقًا.

التسمية هنا أداة سياسية، تُستخدم لتوسيع صورة التهديد وتبرير مواقف لاحقة، بينما الواقع الميداني يشير إلى خليط معقد من عناصر قديمة وأدوار متغيرة، تُعاد صياغتها حسب الحاجة.

في المحصلة، ما يجري في وادي حضرموت يبدو فصلًا جديدًا من لعبة أوراق مفتوحة. “المكحلين” يظهرون حين يُراد رفع مستوى التوتر، ويختفون حين تنتهي الحاجة إليهم. وبين الظهور والاختفاء، تُدار رسائل إقليمية صامتة، يكون فيها اليمن، مرة أخرى، ساحة اختبار لا أكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى