الإمارات تُحكم قبضتها الرقمية على السردية الإعلامية في القرن الإفريقي
تشير معطيات معلوماتية متقاطعة اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة فعّلت، منذ منتصف عام 2024، مسارًا منظّمًا لإعادة تشكيل السرد الرقمي الغربي حول القرن الأفريقي، مستخدمة منصات إعلامية–سياسية غير رسمية، في مقدمتها منظومة Visegrad24 وشريكها الإقليمي ME24 – Middle East 24، كأدوات تأثير موجهة للرأي العام وصناع القرار في أوروبا وأمريكا الشمالية.
منصة Visegrad24
التحول في الخط التحريري لمنصة Visegrad24 لم يكن عفويًا، بل تزامن مع دراسة إماراتية داخلية للبنية التشغيلية للمنصة، جمهورها، ونطاق تأثيرها.
وتؤكد مذكرة صادرة عن وزارة الخارجية الإماراتية بتاريخ 28 أغسطس/آب 2024 أن المنصة تُعد “أداة قابلة للتوظيف الاستراتيجي”، شريطة إدارة العلاقة معها عبر قنوات غير رسمية لتجنب الانكشاف الدبلوماسي، خصوصًا في ظل خطابها العدائي الصريح تجاه قطر وإيران وروسيا.
منذ ذلك التاريخ، بدأت المنصة بتبني سرديات متوافقة بشكل شبه كامل مع أولويات أبوظبي في أفريقيا، شملت دعم استقلال أرض الصومال وتقديمه كنموذج “دولة محاربة للتطرف” مهمّشة دوليًا، والتغطية الإيجابية لتقدم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، مقابل تقزيم دور الجيش السوداني وقائده عبد الفتاح البرهان، وربط الأخير ضمنيًا بمحور مصري–سعودي “تقليدي”.
كما شملت سردية المنصة التحذير من تقارب ثلاثي مزعوم بين الرياض – القاهرة – أنقرة بوصفه تهديدًا لمعادلة النفوذ الإماراتية في القرن الأفريقي.
في 12 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت Visegrad24 توصيفًا سياسيًا لأرض الصومال باعتبارها “الدولة التي يرفض العالم العربي الاعتراف بها”، وذلك بالتزامن الزمني مع تصعيد مقديشو ضد أبوظبي وقرارها خفض مستوى العلاقات، في سياق متأثر باعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي.
ويُلاحظ أن هذه الرسائل الرقمية سبقت المواقف الرسمية وساهمت في تهيئة بيئة خطابية مواتية لها في الغرب.
حساب ME24 – Middle East 24
على مستوى التشغيل، أُطلق حساب ME24 – Middle East 24 في مايو/أيار 2025، بعد أقل من شهر على زيارة مؤسس Visegrad24، ستيفان تومبسون (بولندي–جنوب أفريقي)، إلى الإمارات، حيث التقى بشخصيات إماراتية معروفة بقربها من دوائر صنع القرار السياسي والإعلامي.
ومنذ انطلاقه، ركّز الحساب على تغطية الشرق الأوسط وأفريقيا من زاوية مؤيدة بشكل ثابت لإسرائيل والإمارات، مع تصعيد ملحوظ ضد قطر، والإسلام السياسي، وإيران.
في السياق السوداني، نشر حساب ME24 في 22 يناير/كانون الثاني معلومات عن “تقدم قوات الدعم السريع” في أم درمان، مع الإشارة الضمنية إلى دعم إماراتي، بينما وُصف لقاء عبد الفتاح البرهان مع حسن محمود رشاد، رئيس المخابرات المصرية، بلغة محايدة تقلل من دلالاته السياسية، هذا التفاوت في التوصيف يعكس توجيهًا سرديًا واضحًا، لا مجرد انحياز تحريري.
كما كثّفت المنصة نشر محتوى داعم لإسرائيل، شمل الترويج لقرارات قضائية أمريكية بحق ناشطين فلسطينيين، والإشادة بأدوار إقليمية لشخصيات حليفة لأبوظبي، مثل الملك محمد السادس في المغرب، وتقديمه كفاعل “سلام عالمي”، في انسجام مع الخطاب الإماراتي–الإسرائيلي المشترك.
وفي 20 يناير/كانون الثاني، نشرت Visegrad24 مقالًا مطولًا – وهو أمر نادر في نمطها المعتاد – حول “السياسة السعودية في القرن الأفريقي”، تحدث عن تحالف مفترض بين الرياض وأنقرة والقاهرة لدعم جماعة الإخوان المسلمين في السودان، ما يعكس محاولة مباشرة لإعادة تأطير الخصوم الإقليميين للإمارات ضمن إطار أيديولوجي سلبي موجه للغرب.
رغم هذا التوافق الواضح، حرصت أبوظبي على الإبقاء على مسافة إنكار، وتشير المذكرة الداخلية إلى مخاوف صريحة من أن يؤدي أي تعاون مباشر معلن إلى أزمات دبلوماسية أو إعلامية.
وبناءً عليه، تم تكليف دائرة من ست شخصيات إماراتية لا تحمل صفات رسمية مباشرة لإدارة هذا المسار، وهم: سليمان الحطلان، مستشار اتصالات ورئيس شركة Hattlan Media، وياسر حارب، كاتب ومستشار سابق في المجلس التنفيذي لحكومة دبي، وحبيب الملا، محامٍ دولي وأحد مهندسي الأطر التشريعية للمناطق الحرة، وراشد حارب الفلاحي، مسؤول السرد الاستراتيجي في الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، ودبي أبو الهول، مؤسس معهد فِكر، المعروف بعلاقاته مع الدوائر الدبلوماسية الغربية، وسلطان سعود القاسمي، كاتب وعضو في الأسرة الحاكمة بالشارقة.
أفلام وثائقية
ضمن هذا المسار، عرضت مجموعة Visegrad24 إنتاج فيلمين وثائقيين، الأول عن “نهج الإمارات في مكافحة التطرف الإسلامي”، والثاني عن “دورها كوسيط سلام إقليمي”، في مقترح مصنف “سري للغاية”، ما يشير إلى انتقال التعاون من مستوى المحتوى الرقمي السريع إلى مشاريع سردية طويلة الأمد.
وتُظهر بيانات الجمهور أن 38% من متابعي المنصة في أمريكا الشمالية، و40% في أوروبا، و8% في الشرق الأوسط، بينهم نسبة معتبرة في إسرائيل، إضافة إلى وجود نحو 20 ألف صحفي ضمن دائرة المتابعة، ما يمنح هذه المنظومة قيمة تأثير غير مباشرة على صناعة القرار والإعلام الغربي.
الدلالات
تعتمد الإمارات نموذج “الحرب السردية بالوكالة” لتوجيه الرأي العام الغربي حول أفريقيا دون انخراط رسمي مباشر.
القرن الأفريقي يُدار كمساحة صراع رقمي موازٍ للصراع الميداني، خصوصًا في ملفات السودان وأرض الصومال.
إن استهداف السعودية ومصر وتركيا إعلاميًا يعكس قلقًا إماراتيًا من إعادة تشكل محور إقليمي منافس.
كما أن الانتقال إلى إنتاج وثائقيات يشير إلى نية ترسيخ النفوذ السردي على المدى المتوسط، لا الاكتفاء بالتأثير الآني.




