شؤون تحليلية عربية

توتر أمني في ليبيا إثر تعليق التنسيق بين التشكيلات المسلحة

شهدت الأيام الأخيرة في غرب ليبيا تطورًا أمنيًا صامتًا تمثل في تعليق غير معلن للتنسيق الأمني بين كتيبة الصمود الغربية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، ولواء ثوار طرابلس المرتبط جزئيًا بدعم فصائل مصراتة، نتيجة خلافات حول تقاسم العوائد ومسارات النفوذ في محاور طرابلس ومناطق الحدود التونسية.

ووفق مصادر “بوليتكال كيز | Political Keys”، لم تُسجّل أي مواجهات مسلحة مباشرة، إلا أن الأجواء الأمنية في المدن والمناطق الحدودية شهدت ارتفاعًا ملموسًا في مستوى التوتر واليقظة، ويُظهر هذا التعليق هشاشة التوازنات الميدانية في غرب ليبيا، حيث تعتمد السيطرة على مناطق النفوذ على تفاهمات غير رسمية بين الجماعات المسلحة.

أي خلاف داخلي بين هذه الفصائل كفيل بزعزعة الاستقرار بسرعة، حتى في غياب اشتباكات مباشرة، وأكدت المصادر أن هذا التوتر أثر على الانتشار الأمني واللوجستي للتشكيلات المسلحة، مع تعزيز نقاط مراقبة غير معلنة لحماية مواقع النفوذ والسيطرة على المحاور الاستراتيجية.

مساع دولية

تتزامن هذه التطورات مع مساعي دول الجوار والمنظمات الدولية لتعزيز التوحيد الأمني في ليبيا، بما في ذلك دعم آليات توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية.

ومع ذلك، تعرقل الخلافات بين كتيبة الصمود الغربية ولواء ثوار طرابلس التنفيذ الكامل لهذه المساعي، في ظل غياب آليات رقابية مركزية، وتبقي احتمالات تصعيد محدود أو مواجهات مفتوحة محتملة في أي لحظة.

النتيجة العملية لهذه الحالة هي استمرار حالة الجمود الأمني والتنافس الصامت، والتي تمنح الجماعات المسلحة هامشًا كبيرًا للتحرك داخل المدن والطرق الاستراتيجية، مع تهديد واضح لخطط إعادة بناء مؤسسات الدولة المركزية في غرب ليبيا.

وتؤكد المصادر أن مراقبة هذه التحركات باتت أولوية للأجهزة الإقليمية والدولية المعنية بالاستقرار الليبي، خاصة فيما يتعلق بمحاور النفوذ والتأثير على الحدود المشتركة مع تونس والجزائر.

الدلالات

تعليق التنسيق بين كتيبة الصمود الغربية ولواء ثوار طرابلس يكشف أن الاستقرار في غرب ليبيا قائم على تفاهمات مصلحية لا مؤسساتية، ما يجعل أي خلاف مالي أو نفوذي كفيلًا بإحداث اهتزاز أمني دون الحاجة لاشتباكات مباشرة.

الخلاف حول العوائد ومسارات النفوذ يعكس تحوّل الجماعات المسلحة من أدوات أمنية إلى فاعلين اقتصاديين–سياسيين، حيث باتت الموارد والتحكم بالممرات أهم من الانتماء الرسمي للحكومة أو الخطاب السياسي المعلن.

ولا يعني غياب المواجهة المسلحة تهدئة، بل يشير إلى مرحلة توتر صامت أخطر، تقوم على إعادة انتشار وتحشيد غير معلن، ما يرفع احتمالات الانفجار السريع عند أول احتكاك ميداني.

إن ارتباط كتيبة الصمود بحكومة الوحدة، مقابل تموضع لواء ثوار طرابلس ضمن شبكة مصراتة، يعكس تصدعًا داخل معسكر غرب ليبيا نفسه، وليس صراعًا تقليديًا مع قوات حفتر في الشرق.

هذا التطور يضعف قدرة حكومة الدبيبة على فرض الانضباط الأمني، ويؤكد أن السلطة التنفيذية ما زالت رهينة توازنات المليشيات أكثر من سيطرتها عليها.

ويشير تعزيز نقاط المراقبة غير المعلنة إلى انتقال الصراع من العلن إلى إدارة أمنية خفية، ما يزيد صعوبة رصده ويعقّد جهود الوساطة أو الاحتواء السريع.

التوتر الحالي ينسف عمليًا مساعي توحيد المؤسسة الأمنية، إذ يثبت أن أي مشروع دمج أو إعادة هيكلة سيصطدم مباشرة بمصالح اقتصادية راسخة لدى الفصائل المسلحة.

إقليميًا، تثير هذه التطورات قلق تونس والجزائر، لأن الجمود الأمني يفتح هامشًا أكبر لتهريب السلاح والبشر ويهدد بتحويل الحدود إلى أدوات ضغط غير مباشر.

إن استمرار هذا الوضع يعني بقاء غرب ليبيا في حالة “لا حرب ولا سلم”، حيث تُدار القوة عبر التفاهمات المؤقتة، ما يؤجل الانفجار ولا يمنعه، ويُبقي الدولة المركزية في موقع المتفرج لا الفاعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى